الاثنين، 4 مايو 2026

لماذا يفشل البعض في العثور على الشيء الذي يبحثون عنه حتى لو كان أمام ناظريهم مباشرة

 

بقلم مايكل سبير، أستاذ التشريح، جامعة بريستول

 

المترجم: عدنان أحمد الحاجي


المقالة رقم 51 لسنة 2026  

 

*فشل البحث عن شيء أمام عينيك.. لماذا..؟*


المترجم : عدنان أحمد الحاجي



المقالة رقم 51 لسنة 2026 



https://sobranews.com/sobra/393587




It’s right under your nose – why some people can’t find things in plain sight

 

April 13, 2026

 


الحوار النالي مألوف بين الأسر. يصرّ أحدهم على أن شيئًا يبحث عنه غير موجود، وأنه من المستحيل العثور عليه رغم ما قام به من بحث دقيق وشامل. يدخل آخر وبلاحظ ذلك الشيء بسرعة، قائلََا: "إنه أمام ناظريك مباشرة، لم لم تره!"

يعكس هذا الموقف المحبط (لكلا الطرفين) حقيقةً عن طريقة عمل الدماغ. يعتمد العثور على الأشياء في البيئات اليومية على عملية تُسمى البحث البصري (1، 2)، وأدمغتنا غير مثالية في هذه العملية. حتى عندما يكون الشيء أمامنا مباشرةً، قد يفشل الدماغ في إدراك وجوده حسيََا. بعبارة أخرى، قد ننظر إلى الشيء لكن لا نراه، وذلك بسبب محدودية انتباهنا وإدراكنا الحسي.

للوهلة الأولى، يبدو البحث عن شيء ما بسيطًا. تقوم بالبحث عنه في أحد الأمكنة - في المطبخ، أو المكتب، أو درج "تخزين الأشياء" - حتى تعثر عليه. فبالرغم من سهولة البحث عن شيء ما ظاهريًا، لكن الدماغ  يستطيع في الواقع تحليل كل شيء تراه العين أو معالجته إدراكيََا في آن واحد أو دفعة واحدة (3). ولكن، يعتمد الدماغ على الانتباه، فيختار ويركز على صفات أو تفاصيل معينة، لذا يتجاهل الباقي وكل التفاصيل الأخرى.

غالبًا ما يصف علماء النفس الانتباه بأنه أشبه بضوء كاشف يمسح المجال البصري ويسلط الضوء على سمات معينة في هذا المجال. وأينما استقر هذا الضوء على جزء معين من ذلك المجال، تُعالج المعلومات الخاصة بتفصيل دقيق. أما ما يقع خارج ذلك المجال، فلا يحظى باهتمام يُذكر. لذا حتى الأشياء المرئية قد تُفوت على الباحث عنها رؤيتها إذا لم تكن ضمن نطاق التركيز.

هناك سبب تشريحي عملي يدفع الدماغ إلى تحريك العينين باستمرار. سمة بيولوجية للعين - مثل منطقة الشبكية الصغيرة ذات التفاصيل الدقيقة - التي تجعل حركة العين ضرورية من أجل رؤية واضحة. إذ لا تستطع العين رؤية التفاصيل الدقيقة إلا في منطقة مركزية صغيرة جدًا تُسمى النقرة المركزية، لذا لإدراك ما يحيط بنا إدراكََا حسيََا كاملًا، يتعين على الدماغ تحريك العينين باستمرار لتركيز جوانب مختلفة من المشهد في تلك النقرة المركزية. تُسمى هذه الحركات السريعة والتلقائية للعين بحركة العين الرمشية (5، 6)، وهي حركة سريعة ومستمرة - حتى عندما تعتقد أنك تحدق بشكل ثابت في شيء معين، فإن عينيك تتحركان بهدوء من نقطة إلى أخرى. فهما، في الواقع، تقومان بحركات بسيطة لجمع معلومات تفصيلية عن المشهد. فمركز الشبكية - النقرة المركزية - تتمكن من رؤية واضحة. لكنها لا تغطي سوى جزء بسيط من المجال البصري. لفحص المشهد بدقة، يجب أن تتحرك أعيننا بشكل متكرر بحيث تقع جوانب مختلفة من المشهد على هذه المنطقة الصغيرة عالية الدقة.

في أغلب الأحيان، يعمل نظام الانتباه البصري [عمل الدماغ مع العينيين لمسح المشهد والتركيز انتقائيََا على شيء مهم وتجاهل البقية] هذا بكفاءة ملحوظة، ما يسمح لنا ولأعيننا على الانتقاء في مجالات بصرية معقدة دون أن تغمرنا بقية المعلومات البصرية الهائلة.

قد ننظر لكن لا نبصر

قد ينظر المرء مباشرة إلى شيء ما، ولكن إذا كان انتباهه مركزًا في مكان آخر أو لم يكن دماغه يتوقع ذلك، فلن يدرك ما ينظر اليه حسيََا. ينضح من هذا أن الرؤية لا تقتصر على ما تنظر إليه العينان فحسب، بل تشمل أيضًا ما يتوقعه الدماغ. تُعرف هذه الظاهرة بـ عمى عدم الانتباه (7، 8)، حيث نغفل عن أشياء واضحة لأن انتباهنا مُوجّه إلى مكان آخر - على سبيل المثال، في التجربة الشهيرة على عمى عدم الانتباه، مقطع فيديو (9) شاهد فيه المشاركون مجموعة من اللاعبين يمررون كرة سلة بينهم، ويُطلب منهم عدّ تمريرات الكرة بين اللاعبين. بينما كان المشاهدون يركزون على مهمة عد التمريرات، تجول شخص يرتدي زي غوريلا بين اللاعبين. نصف المشاهدين تقريبًا لم يلحظ وجود الشخص بزي الغوريلا على الإطلاق. لم تكن الغوريلا تتجول بخفاء، بل كانت تتجول مباشرة في منتصف الشاشة. لكن الدماغ، المنشغل بعدّ تمريرات كرة السلة، فشل ببساطة في رصد الغوريلا.

إذا سبق لك أن بحثت عن مفاتيحك على طاولة المطبخ ولم تجدها، ووجدها شخص آخر بسرعة، فقد مررت بنفس التجربة.

بمجرد وصول المعلومات البصرية إلى الدماغ، تُعالج عبر مسارات مختلفة (10). أحد هذه المسارات - والذي يُسمى غالبًا بالمسار الظهراني (dorsal steam) (11) - يمتد نحو الفص الجداري للدماغ، وهي منطقة دماغية تلعب دورًا حاسمًا في الإدراك المكاني وتوجيه الانتباه. يساعد هذا الدماغ على تحديد مواقع الأشياء في الحيز. ويلعب هذا النظام دورًا محوريًا في توجيه الانتباه أثناء البحث البصري (2). هذا النظام ضروري لتوجيه تركيز المرء أثناء البحث البصري، ولكنه لا يعمل دائمًا بكفاءة تامة، ولهذا السبب قد يغفل عن أشيا,، حتى وإن كانت موجودة أمام ناظريه مباشرة.

مقطع فيديو

https://youtu.be/IGQmdoK_ZfY?si=8Fx-9-LSVAvVP2cZ

 

هل تختلف طريقة بحث الرجال عن النساء؟

في وصفي لهذه الحالة المألوفة التي يواجهها الناس في بيوتهم، تجنبتُ استحضار الصورة النمطية السائدة، وهي أن زوجي، في العادة، من الناس الذين يعجزون عن العثور على الشيء الذي يبحثون عنه حتى ولو كان أمام ناظريهم مباشرةً.

 دراسات في البحث البصري وجدت اختلافات طفيفة في كيفية مسح الرجال والنساء البصري للأماكن المزدحمة المليئة بالتفاصيل والمشتتات المختلفة، ما من شأنه أن يصعب على الدماغ العثور على الشيء امعين بسرعة، لذا عليه أن يعمل بانتقائية أكثر للعثور على ما يبحث عنه. في المتوسط، تتفوق النساء قليلاً على الرجال في تحديد مكان الشيء في البيئات المزدحمة والعثور عليه، بينما يتفوق الرجال غالبًا في المهام التي تتطلب قدرة على التنقل من مكان إلى آخر في بيئة واسعة ومزدحمة (مدينة واسعة ومزدحمة، مثلََا). والتي تتطلب مهارات، مثل تذكر الطرق، والتعرف على المعالم، ورسم خريطة ذهنية للمحيط، ما يعني ببساطة أن الرجال، في المتوسط، أفضل قليلاً في المهام التي تتطلب تخيل الحركة في بعدين. كذلك الرجال أفضل في تخيل دوران الأشياء ذهنيًا في ثلاثة أبعاد. مثل تخيل كيف سيبدو شكل ما عند قلبه رأسََا على عقب)، لكن هذا مجرد متوسط الفرق   بين الرجال والنساء - فالكثير من النساء يتمتعن بنفس الكفاءة أو أفضل في هذه المهارات، ويمكن للممارسة أو الخبرة أن تُغير بسهولة من مدى جودة أداء كل من الجنسين.

قد يكون سبب هذا الاختلاف بين الرجال والنساء مرتبط بطريقة تحريك كل من النساء والرجال للعينين (حركة الرمشات السريعة)، فالنساء يقمن بمسح المكان بشكل أكثر منهجية، ويغطين جميع نقاطه، وبذلك يكنَّ أكثر قدرة في البحث والعثور، بينما قد يقوم الرجال بحركات عين أوسع وأقل تفصيلاً، مما قد يؤدي إلى تجاوز بعض النقاط. لكنها ميول عامة وليست قواعد صارمة، ولا تزال الأسباب الدقيقة وراءها محل نقاش، ولكن قد يكمن جانب من الإجابة في كيفية تحريك العينين أثناء محاولة البحث عن الشيء المفقود، حيث يعتمد البحث البصري على تحريك العينين من نقطة إلى أخرى - ما يُعرف بـ "الرمشات السريعة" (الحركات العين السريعة). تُظهر دراسات تتبع حركة العين أن بعض الأشخاص، مثل النساء) يميلون إلى مسح المكان بشكل منهجي، محركين العينين بنمط أكثر انتظامًا. بينما يحرك آخرون، مثل الرجال، أعينهم بقفزات كبيرة عبر المجال البصري.

من المرجح أن يغطي المسح المنهجي كل جانب من جوانب المكان المزدحم، ما من شأنه أن يزيد من فرص العثور على الشيء، مثل مفاتيح السيارة أو مقص المطبخ. وعلى النقيض من ذلك، فمن شأن القفزات الكبيرة في حركة العينين، أن تتجاوز نقاط بأكملها، غير قادرة على العثور على الشيء، حتى لو كان في مرأى العين مباشرةََ، وذلك لأنه لم يقع أبدًا تحت دائرة انتباه الدماغ.

اقترح بعض علماء النفس التطوري أن هذه الميول قد تكون متجذرة عميقََا في التاريخ القديم في مجتمعات الصيد وجمع الثمار (12). مع ذلك، لا يوجد دليل كافٍ على ذلك. من المرجح أن الخبرة، والإلمام بالبيئة، والاختلافات البسيطة في الانتباه، تعد عوامل أكثر أهمية بكثير من الاختلاف بين الجنسين وحده.

في نهاية المطاف، لا يشبه البحث البصري أخذ صورة فوتوغرافية بكاميرا (تأخذ صورة للمشهد بأكمله). فعندما تقوم بالبحث البصري، فإن العينيين والدماغ لا تستوعب الصورة بأكملها، فبدلاً من مسح المكان بشكل متساوٍ من البداية إلى النهاية، ينتقل الانتباه في أرجاء المشهد، مركزََا على الشيء المبحوث عنه ومسترشداً بصفاته، متجاهلاً التفاصيل غير ذات الصلة. بعبارة أخرى، البحث البصري عملية انتقائية موجهة نحو هدف محدد - حيث ينتقي الدماغ جوانب معينة من المشهد ويفحصها بدلاً من معالجة كل شيء دفعة واحدة، يشبه الدماغ هنا عمل خوارزميات التنبؤ. فالدماغ يُخمّن باستمرار المكان المحتمل لوجود الشيء، ويوجّه الانتباه اليه وفقًا لذلك التخمين. حيث أن الدماغ لا يقوم بالمسح بشكل عشوائي فحسب، بل يتنبأ بمكان وجود الشيء ويركز عليه، وعادةً ما ينجح، لكنه قد يفشل أحيانًا إذا كان الشيء في مكان غير المكان الذي توقعه فيه. حتى وإن كان أمام ناظري المرء مباشرةََ. وهذا يعني أنه في المرة القادمة التي يدعي فيها أحدهم ويُصرّ على أنه بحث في كل مكان عن الشيء، قد يكون صادقًا. ولكنه ببساطة، لم يبحث بالطريقة المنهجية الصحيحة تمامًا كما ينبغي.

 

 

الهوامش 

1- https://link.springer.com/article/10.3758/s13423-020-01859-9

 

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/البحث_المرئي

 

3- https://www.frontiersin.org/journals/behavioral-neuroscience/articles/10.3389/fnbeh.2014.00345/full

 

4- https://nba.uth.tmc.edu/neuroanatomy/L8/Lab08p21_index.html

5- https://ar.wikipedia.org/wiki/حركة_العين_الرمشية

 

6- https://nba.uth.tmc.edu/neuroanatomy/L8/Lab08p21_index.html

 

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/عمى_عدم_الانتباه

 

8- https://www.simplypsychology.org/inattentional-blindness.html

 

9- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0191886907000347

 

10- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/28255843/

 

11- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1364661316301206

 

12- https://royalsocietypublishing.org/rspb/article/284/1849/20162767/78445/Human-visual-search-behaviour-is-far-from

 

 

المصدر الرئيس

https://theconversation.com/its-right-under-your-nose-why-some-people-cant-find-things-in-plain-sight-277845

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق