الخميس، 13 أغسطس 2026

هل ما يقال إننا لا نستخدم سوى 10% فقط من الدماغ


بقلم سمانثا بروكس، استاذ مشارك في علم الأعصاب الادراكي، جامعة ليفربول جون موريس  

 

المترجم: عدنان أحمد الحاجي


المقالة رفم س لسنة 2026

 

 

How your conscious and unconscious mind interact

 

July 31, 2026 

 

 

التفاعل بين العقل الواعي واللاواعي

هل سبق أن سمعت بالعبارة الشائعة التي تقول إن الإنسان لا يستخدم سوى 10% فقط من دماغه، بينما تبقى الـ 90% الأخرى غير مستخدمة! 

في الواقع، ليس هناك طريقة لقياس نسبة الوعي المئوية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الدماغ ليس له حالة ثابتة ومستقرة يمكن اعتبارها نقطة مرجعية نستطيع قياس مقدار الوعي أو نشاط الدماغ ومقارنته بها. وذلك لأن دماغ المرء يتغير نشاطه باستمرار حسب ما يفعله ويفكر فيه ويشعر به وما يحدث حوله. يختلف نشاط دماغه في حالة النوم عن حالة الاستيقاظ، كما يختلف في حالة الانتباه والتركيز عن حالة الغفلة أو الاسترخاء. ولذلك لا يمكن أن نقول إن للدماغ حالة طبيعية ثابتة يمكن أن نستخدمها للمقارنة، ما يجعل تحديد نسبة الوعي المئوية غير متيسرة.

ومع ذلك، هناك إجماع عام بين باحثي علم الأعصاب اليوم على أن معظم عمليات الدماغ تحدث في اللاوعي. ولكن هذا لا يعني أن معظم أجزاء الدماغ غير مستخدمة، بل يعني أن الدماغ يقوم بالكثير من العمليات والأنشطة في اللاوعي، ولذلك، لا يمكن أدراكها بوعي. 

أرجعتنا علوم الأعصاب الإدراكية الحديثة إلى تصور سيغموند فرويد التحليلي النفسي للعقل اللاواعي، إلى حدٍّ ما. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن بعض النظريات التي كان يُعتقد في السابق أنه لا يمكن اختبارها علميًا بدأت تحظى بدعم وأدلة علمية متصاعدة.

ففي عام 1895، اقترح فرويد أن العقل اللاواعي يخفي رغبات جنسية وعدوانية، وذلك في كتابه «دراسات في الهستيريا» الذي ألّفه بالتعاون مع زميله يوزف بروير. كتابه «دراسات في الهستيريا»، الذي ألّفه بالتعاون مع زميله يوزف بروير، وقد رأى فرويد أن العقل اللاواعي قد يحتوي على رغبات أو دوافع لا يكون المرء واعيًا بها، وقد يرفض الاعتراف بها أو تقبّلها لأنها تبدو له غير مقبولة أو محرجة أو مخالفة لقيمه. ووفقًا لهذه الفكرة، قد تكون بعض هذه الرغبات مرتبطة بالجنس أو بالعدوان، لكن الشخص قد يكبتها أو يمنعها من الوصول إلى وعيه لأنها غير مقبولة بالنسبة له أو تتعارض مع قيمه ومخاوفه، ولذلك قد تبقى هذه الرغبات خارج نطاق الوعي، وقد تظهر بصورة غير مباشرة في الأحلام أو في بعض الأعراض النفسية، مثل القلق والرُّهاب والأفكار أو الأفعال القهرية. ووفقًا لفرويد، قد تنشأ هذه الأعراض عندما تبقى أفكار أو مشاعر لاواعية مكبوتة من دون أن تُحل أو تُعالَج، فتستمر في التأثير في الشخص بصورة غير مباشرة.

فقد قسّم فرويد العقل إلى ثلاثة مستويات: الواعي، وما قبل الواعي، واللاواعي، وهذا التقسيم يشبه إلى حدٍّ ما الطريقة التي نفهم بها الذاكرة اليوم. فهناك معلومات في الوعي الآن، مثل رقم هاتف تفكر فيه الآن وتعرف أنك تفكر فيه، فهو حاضر في ذهنك في هذه اللحظة، ومعلومات ليست في وعيك في هذه اللحظة لكن يمكنك تذكّرها عندما تحاول، مثل اسم صديق سابق، وهناك معلومات أو آثار من تجارب سابقة قد تؤثر فيك دون أن تستحضرها بوعي. لذلك، فكرة فرويد عن وجود مستويات مختلفة لما نعرفه وما لا نعرفه تتوافق جزئيًا مع ما نعرفه اليوم عن كيف يتم تخزين الذكريات واسترجاعها.

يقول إريك كاندل (Eric Kandell)، الحائز على جائزة نوبل وعالم الأعصاب والمحلل النفسي، لدينا نوعان من عمليات الذاكرة: الذاكرة الصريحة (1) والذاكرة غير الصريحة. فالذاكرة الصريحة تعتمد على التذكر الواعي، مثل محاولة تذكّر تسلسل أرقام البطاقة الائتمانية. أما الذاكرة غير الصريحة، فتتضمن تذكّر المعلومات بطريقة غير واعية وتلقائية، أي أننا نستطيع القيام بشيء أو الاستجابة بطريقة معينة من دون أن نتعمد او نقصد تذكّر المعلومات المتعلقة به.

كما أن النموذج البنيوي للعقل الذي وضعه فرويد يمكن مقارنته، إلى حدٍّ ما، ببعض جوانب فهمنا الحالي للإدراك والعمليات الذهنية، من حيث فكرة وجود عمليات عقلية واعية وأخرى غير واعية تؤثر في سلوكنا. لكن هذا لا يعني أن تقسيم فرويد للعقل يتطابق مع التقسيمات التي يعتمدها علم النفس وعلم الأعصاب الحديث؛ فالتشابه يقتصر على بعض الأفكار العامة المتعلقة بالوعي والعمليات غير الواعية والذاكرة والتفكير.

رأى فرويد أن النفس تتكوّن من ثلاثة مكوّنات أو جوانب (2): الهو (Id)، وهو الجانب البدائي والغريزي الذي تحرّكه الرغبات والاحتياجات الأساسية ويسعى إلى إشباعها وفق مبدأ اللذة، من دون أن يهتم كثيرًا بالواقع أو العواقب؛ والأنا (ego)، التي تحاول التوفيق بين رغبات الهو ومتطلبات الواقع؛ والأنا العليا (superego)، التي تمثل القواعد والقيم والمعايير الأخلاقية والمُثُل التي يكتسبها الإنسان. وكان فرويد يرى أن أفكار الإنسان وانفعالاته وسلوكه تتأثر بالتفاعل المستمر بين هذه المكوّنات الثلاثة والصراع بينها.

اقترح فرويد أن الهو (Id) يمثّل الجانب البدائي والغريزي من النفس، وأن الأنا العليا (superego) تمثّل الجانب الأخلاقي، بما يتضمنه من قيم ومعايير وقواعد تحدد ما نراه صوابًا أو خطأً. أما الأنا (ego) فتؤدي دور الوسيط بين الهو والأنا العليا والواقع، إذ تحاول التوفيق بين رغبات الهو ومتطلبات الواقع والمعايير التي تفرضها الأنا العليا. ويمكن إجراء مقارنة تقريبية بين الهو وبعض العمليات العصبية اللاواعية في الدماغ، لكن لا يعني ذلك أن الهو يطابق هذه العمليات أو يمثل جزءً محددًا من الدماغ. كما توجد حجج تشير إلى أن بعض عمليات معالجة المتعة التي نسبها فرويد إلى الهو قد تكون واعية أيضًا (3). فالهو، وفق تصور فرويد، يسعى إلى إشباع الرغبات وتحقيق المتعة، مثل الرغبة في الطعام أو الراحة أو المتعة الجنسية، دون أن يهتم كثيرًا بالقواعد والمعايير الأخلاقية والاجتماعية أو بالعواقب. أما الأنا العليا فتعمل على تقييم هذه الرغبات والتصرفات في ضوء القيم والمعايير التي يكتسبها الإنسان من الأسرة والمجتمع.. أما معالجة المتعة فتعني طريقة تعامل الدماغ مع الإحساس بالمتعة والرغبة فيها. أي أن الفكرة هنا هي أن بعض الرغبات التي نسبها فرويد إلى الهو قد لا تكون لاواعية بشكل كامل، بل قد نشعر بها وندركها بشكل واضح.

أما الأنا، فيمكن تشبيه بعض وظائفها، بصورة جزئية، بقدرات مثل ما وراء الإدراك (4) (metacognition)، أي التفكير في كيفية تفكيرنا ومراقبة عملياتنا العقلية وتقييمه . وتساعد هذه القدرات على تقييم المعلومات، واتخاذ قرارات مدروسة، والتخطيط، ومراجعة الأفكار والسلوك بناءً على ما نتوقع أن يحدث نتيجةً لأفعالنا. وترتبط هذه العمليات بعدة مناطق في الدماغ، من أبرزها قشرة الفص ما قبل الجبهية، التي تقع خلف الجبهة مباشرة.

مقارنةً بين الأنا العليا عند فرويد والجهاز الحوفي في الدماغ، فإن الأنا العليا عند فرويد تمثل الجانب الذي يرتبط بالقواعد والمعايير الأخلاقية، وتؤثر في أحكامنا بشأن ما نراه صحيحًا أو خاطئًا، بينما الجهاز الحوفي هو مجموعة من المناطق الدماغية المنخرطة في معالجة الانفعالات والدوافع وبعض جوانب السلوك. لذلك، يمكن القول إن هناك تشابهًا وظيفيََا جزئيًا بين بعض وظائف الأنا العليا وبعض الوظائف الدماغية المرتبطة بالانفعالات والدوافع والتقييم الاجتماعي، أي الطريقة التي يقيّم بها الدماغ تصرفاتنا وتصرفات الآخرين، وما إذا كانت مقبولة أو مرفوضة، ومناسبة أو غير مناسبة، وكيف يمكن أن تؤثر في سلوكنا وسلوك الآخرين في المواقف الاجتماعية.

قد تتقاطع بعض الوظائف التي نسبها فرويد إلى الأنا العليا جزئيًا مع وظائف معينة في الدماغ، ومنها بعض وظائف المناطق المرتبطة بالجهاز الحوفي، المنخرطة في معالجة الانفعالات والدوافع وتوجيه السلوك. أي أن بعض العمليات التي تؤثر في مشاعرنا وسلوكنا قد ترتبط بآليات عصبية تساعد الدماغ على تقييم التجارب انفعاليًا، مثل الشعور بالمتعة والارتياح أو بالنفور وعدم الارتياح، لكن هذا لا يعني أن الجهاز الحوفي هو المقابل العصبي المباشر للأنا العليا عند فرويد.


ومع ذلك، أصبحت السلوكية (5) اتجاهًا مؤثرًا وسائدًا في علم النفس خلال عشرينيات القرن العشرين، مع علماء نفس مثل جون واطسون (6)، الذي دافع عن موقف السلوكية القائل بأن علم النفس ينبغي أن يركز على السلوك الذي يمكن ملاحظته وقياسه بصورة موضوعية، مثل أفعال الإنسان واستجاباته الظاهرة، بدلًا من التركيز على العمليات الداخلية التي يصعب قياسها مباشرة، مثل الأفكار والانفعالات والعمليات اللاواعية. لذلك، رأى السلوكيون أن السلوك القابل للملاحظة والقياس ينبغي أن يكون موضوعًا أساسيًا للدراسة العلمية في علم النفس

عودة الاهتمام بفكرة أن الدماغ يمكن أن يؤثر في أفكارنا وقراراتنا وسلوكنا من دون أن نكون واعين بذلك: 

منذ ثمانينيات القرن العشرين، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن قرارات الناس وسلوكهم يمكن أن يتأثرا بعمليات تحدث من دون وعيهم أو إدراكهم لهذا التأثير. وأظهرت تجارب علم الأعصاب وتصوير الدماغ أن المعلومات التي لا ندركها بوعي يمكن أن تؤثر في نشاط الدماغ وفي استجاباتنا الانفعالية والسلوكية، كما يتضح من التحليلات التلوية (7، 8) التي أجريتها أنا وزملائي (9). فعلى سبيل المثال، عرض باحثو علم الأعصاب (10) على المشاركين صورًا لوجوه تبدو سعيدة أو مذعورة لفترات قصيرة جدًا وبطريقة لا تسمح لهم بإدراكها بوعي، مثل بعض الصور التي قد تظهر بصورة سريعة في الإعلانات التجارية على شاشة التلفزيون (11). وعلى الرغم من أن المشاركين لم يكونوا واعين بهذه الوجوه ولم يتمكنوا لاحقًا من تذكّر رؤيتها، أظهرت أبحاث تصوير الدماغ نشاطًا متزايدًا في اللوزة الدماغية (amygdala)، وهي منطقة منخرطة في معالجة الانفعالات والاستثارة، أي حالة زيادة يقظة الدماغ واستعداده للاستجابة للمثيرات. فعندما يرى الشخص وجهًا مخيفًا من دون أن يدركه بوعي، يمكن أن تستجيب اللوزة الدماغية لهذا المثير، رغم عدم وعيه به. وهذا يشير إلى أن نشاطًا عصبيًا يحدث من دون وعي يمكن أن يؤثر في انفعالات الشخص وسلوكه، وربما في بعض أحكامه واختياراته اللاحقة، حتى عندما لا يكون واعيًا بالمثير (في هذه التجربة، المثير هي الوجوه المعروضة) الذي أدى إلى هذه الاستجابة. وبعبارة أبسط، قد يتفاعل الدماغ مع المثير من دون وعي، ثم تؤثر هذه الاستجابة لاحقًا في طريقة شعور الشخص أو سلوكه أو اختياره.

في كتابه «التفكير، السريع والبطيء» (12)، الصادر عام 2011، عرض باحث علم النفس دانيال كانيمان تصورًا عن نمطين من التفكير، ويمكن ملاحظة بعض أوجه التشابه بين هذا التصور وبين التمييز الذي وضعه فرويد بين العمليات الأولية والثانوية، وإن كان نموذج كانيمان لا يُعد إعادة صياغة مباشرة لنموذج فرويد.


العمليات الأولية والثانوية عند فرويد هما طريقتان مختلفتان لعمل العمليات النفسية. فالعملية الأولية ترتبط بالسعي إلى إشباع الرغبات وفق مبدأ اللذة، وتتميز بأنها أقل ارتباطًا بقيود الواقع وتأجيل الإشباع، وترتبط أساسًا بالعمليات اللاواعية والهو (Id). أما العملية الثانوية فترتبط بمبدأ الواقع، إذ تسمح للمرء بالتفكير بصورة أكثر تنظيمًا، ومراعاة الظروف والواقع وتأجيل إشباع الرغبات من أجل الوصول إلى نتيجة مناسبة، وترتبط بصورة أساسية بالأنا (ego).


وبالمثل، اقترح كانيمان أن لدى الإنسان نمطين من التفكير: النظام الأول، وهو سريع وتلقائي ويعمل إلى حد كبير دون جهد واعٍ، والنظام الثاني، وهو أبطأ وأكثر جهدًا ويتطلب توجيه الانتباه والتركيز. ويُستعان بالنظام الثاني عندما نواجه مهمة تتطلب تفكيرًا واعيًا وجهدًا ذهنيًا، أو عندما لا يستطيع النظام الأول تقديم استجابة تلقائية مناسبة، مثل التعامل مع مسألة جديدة أو معقدة أو موقف غير مألوف.

 

هناك الكثير مما يحدث تحت الوعي، 

ماذا بإمكان علم الأعصاب أن يخبرنا عن العقل اللاواعي. 

بعض الوظائف الأساسية في الجسم، مثل تنظيم معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم والشعور بالجوع والعطش، تعتمد بدرجة كبيرة على عمليات عصبية لا تحدث في الوعي (بل تحدث في اللاوعي) (13). وبالمثل، فإن بعض أساليب التعامل التي يكتسبها الإنسان في مرحلة الطفولة المبكرة للتخفيف من المشاعر المؤلمة قد تتطور وتعمل بصورة تلقائية من دون وعي كامل بها.

فقد يشعر الطفل بالخوف أو بالحزن أو بالإحباط، ويكتسب، أحيانًا من دون وعي، طرقًا تساعده على تخفيف حدة هذه الانفعالات أو تجنب الشعور بالألم النفسي، مثل تجنب التفكير في تجربة مؤلمة أو الابتعاد عن موقف يثير الخوف. ومع تكرار هذه الاستجابات، قد تصبح بعض هذه الأساليب تلقائية، بحيث يستخدمها الشخص لاحقًا من دون أن يكون واعيًا تمامًا بالسبب الذي يدفعه إليها.

كما أن معظم الناس لا يستطيعون عادةً الاحتفاظ بذكريات شخصية واعية واضحة من السنوات الثلاث الأولى من حياتهم، ويُعرف ذلك بفقدان ذاكرة الطفولة المبكرة (Infantile amnesia) (14). وهذا لا يعني أن الدماغ لا يتعلم أو لا يحتفظ بأي آثار من الخبرات التي تحدث في تلك المرحلة؛ فقد تؤثر الخبرات المبكرة في التعلم والانفعالات والسلوك بطرق مختلفة، حتى عندما لا نستطيع تذكر الأحداث نفسها بصورة واعية. وفي بعض أشكال العلاج النفسي بالكلام (15)، قد يساعد الحديث عن المشاعر والتجارب الحياتية الشخص على ملاحظة أنماط في أفكاره وانفعالاته وسلوكه لم يكن واعيًا بها من قبل، وقد يكتشف روابط بين انفعالاته الحالية وتجارب سابقة. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل هذه الخبرات موجودة في اللاوعي، أو أن العلاج بالكلام يستطيع استعادة ذكريات الطفولة المنسية بدقة.

جاءت نظريات أخرى لتفسير طريقة تفاعل العمليات الدماغية الواعية وغير الواعية، ومن أبرزها نظرية مساحة العمل الشاملة (GWT) (17، 16) ونظرية المعلومات المتكاملة (IIT) (19، 18) وتقترح نظرية مساحة العمل الشاملة أن العقل يشبه خشبة مسرح؛ فما ننتبه إليه بوعي يشبه ضوءً مسلطًا على جزء معين من خشبة المسرح، بينما تعمل خلف الكواليس عمليات وأنظمة دماغية كثيرة من دون وعي. ويمكن لهذه العمليات اللاواعية أن تؤثر في المعلومات التي تصل إلى الوعي، وفيما ننتبه إليه ونركز عليه في كل لحظة، من دون أن ندرك جميع العمليات التي أدت إلى توجيه انتباهنا.

أما نظرية المعلومات المتكاملة (IIT)، فتقترح أن الوعي ليس حالة موجودة أو غير موجودة فحسب، بل يمكن أن تكون له درجات وخصائص مختلفة. ووفقًا للنظرية، يرتبط مستوى الوعي بمدى تكامل المعلومات داخل النظام، أي بمدى ترابط أجزائه واعتمادها على بعضها في معالجة المعلومات. وتستخدم النظرية مفهوم «فاي» (Φ) للتعبير عن مقدار التكامل المعلوماتي في النظام، وترى أن هذا التكامل يرتبط بوجود الوعي وخصائصه.

فعلى سبيل المثال، تفترض نظرية IIT أن الأنظمة التي تتمتع بدرجة أعلى من التكامل المعلوماتي يمكن أن تمتلك مستوى أعلى أو شكلًا أكثر تعقيدًا من الوعي. ومع ذلك، فإن تطبيق النظرية على كائنات حية مختلفة يثير أسئلة صعبة، منها طريقة قياس مقدار التكامل المعلوماتي في الأنظمة البيولوجية المختلفة، وكيف يمكن ربط هذا القياس مباشرةً بدرجة الوعي، خصوصًا أننا لا نستطيع قياس التجربة الواعية نفسها بصورة مباشرة.

يُعدّ مارك سولمز (Mark Solms)، المؤسس البارز في مجال علم النفس العصبي التحليلي، إلى جانب عالم الأعصاب كارل فريستون (Karl Friston)، من الباحثين الذين طوروا وناقشوا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (2010) أفكارًا تربط بين العمليات اللاواعية والوعي ووظائف الدماغ. ويرى سولمز أن العمليات اللاواعية تؤدي دورًا أساسيًا في تشكيل الوعي والسلوك واتخاذ القرارات. هذه النظرية هي أفضل نموذج حاليًا لفهم العلاقة بين اللاوعي والوعي واتخاذ القرارات، كما رأت مؤلف المقال سمانثا بروكس وليس حقيقة علمية متفقًا عليها.

تقترح نظرية مبدأ الطاقة الحرة (FEP) (22، 21) المرتبطة بدراسات كارل فريستون، أن الدماغ يعمل بصورة مستمرة على التنبؤ بالحالات التي قد يواجهها الجسم والبيئة، وعلى تقليل عدم اليقين أو الطاقة الحرة المتوقعة من خلال تحديث توقعاته أو اتخاذ أفعال تساعد على جعل المحيط أكثر توافقًا مع توقعاته. وتحدث كثير من هذه العمليات بصورة غير واعية، بتاءََ على نماذج داخلية تستند إلى المعلومات الحسية والخبرات السابقة. وترتبط هذه العمليات، في المنظور الذي طوره سولمز، بقدرة الكائن الحي على الحفاظ على حالته وتنظيم تفاعله مع البيئة.

وعندما يواجه الدماغ معلومات غير متوقعة أو يصعب تفسيرها اعتمادًا على توقعاته الحالية، قد يحتاج إلى تحديث نموذجه الداخلي أو توجيه مزيد من الانتباه والمعالجة إلى هذه المعلومات. ويربط سولمز بين مثل هذه الحالات وبين دور الوعي في التعامل مع بعض المشكلات التي لا يمكن حلها بسهولة من خلال العمليات التلقائية وحدها. وهذا يتقاطع جزئيًا مع فكرة دانيال كانيمان بأن التفكير الواعي البطيء يُستعان به عندما تكون المهمة أكثر صعوبة وتتطلب جهدًا وانتباهًا، لكن نظرية الطاقة الحرة FEP لا تقول تحديدًا إن الوعي يظهر فقط عندما تكون المعلومات غير كافية، ولا أن هذه العملية تستهلك «قدرًا كبيرًا من الطاقة» بالمعنى الوارد في الفقرة.

وفي الآونة الأخيرة، بدأت بعض أبحاث الوعي تتناول أيضًا إمكانية وجود الوعي لدى أنظمة غير بشرية، بما فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي. وقد طرح مارك سولمز احتمال إمكانية تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي واعية، مستندًا إلى تصوره للوعي ووظائفه. وإذا كانت بعض أفكاره صحيحة، فقد يكون من الممكن أن تتشكل العمليات غير الواعية في أنظمة الذكاء الاصطناعي من خلال تفاعلها مع البيئة ومع البشر. لكن هذا يبقى احتمالًا نظريًا؛ فلا يوجد حتى الآن دليل حاسم على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية تمتلك وعيًا أو أن عملياتها اللاواعية تتشكل بالطريقة التي يقترحها سولمز.


 

 

الهوامش

1- https://ar.wikipedia.org/wiki/ذاكرة_صريحة

 

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/الهو_والأنا_والأنا_العليا

 

3- https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/15294145.2013.10773726

 

4- https://ar.wikipedia.org/wiki/إدراك_الإدراك

 

5- https://ar.wikipedia.org/wiki/سلوكية

 

6- https://ar.wikipedia.org/wiki/جون_واطسون

 

7- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/تحليل-تلوي/

 

8- https://link.springer.com/article/10.1186/s40359-014-0052-1

 

9- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1053811911011529

 

10- https://www.frontiersin.org/journals/neuroscience/articles/10.3389/fnins.2022.868366/full

 

11- https://ar.wikipedia.org/wiki/محفزات_لا_شعورية

 

12- https://ar.wikipedia.org/wiki/التفكير_السريع_والبطيء_(كتاب)

 

13- https://uk.bookshop.org/a/15793/9780099498025

 

14- https://ar.wikipedia.org/wiki/فقدان_الذاكرة_في_مرحلة_الطفولة

 

15- https://tatmeen.sa/blog/When-is-talk-therapy-used/

 

16- https://madar.aspdkw.com/نظريات-الوعي-المتنافسة/

 

17- https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2021.749868/full

 

18- https://ar.wikipedia.org/wiki/نظرية_المعلومات_المتكاملة

 

19- https://iep.utm.edu/integrated-information-theory-of-consciousness/

 

20- https://uk.bookshop.org/p/books/the-hidden-spring-a-journey-to-the-source-of-consciousness-mark-solms/b45cb697cb843c93?ean=9781788162845&affiliate=15793

 

21- https://ar.wikipedia.org/wiki/مبدأ_الطاقة_الحرة

 

22- https://www.nature.com/articles/s44159-026-00577-8

 

 

المصدر الرئيس 

https://theconversation.com/how-your-conscious-and-unconscious-mind-interact-283196

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق