المترجم: عدنان أحمد الحاجي
راجعه وقدم له عادل عبد الله البشراوي، باحث في علم الإنسان القديم
المقالة رقم 368 لسنة 2020
Groundbreaking research identifies what makes human brains – and humans – unique in the animal world
14 November 2019
مقدمة عادل عبدالله البشروي،
تلتبس علينا الأمور ونحن نحاول وضع توصيفات للمفاهيم والمصطلحات التي نتداولها في أمورنا اليومية، من قبيل أن يلاحظ البعض تفرد العربية باحتوائها على حرف الضاد فيجعل من هذا الحرف عنواناً لها، ليتم للعربية تسميتها بلغة الضاد. وهذا رغم جدالات اللغويين في جذور نشأة اللغة العربية من أمها السامية، وتقول بوجود الضاد في بطون لغات سامية أخرى، بل وفي لغات نابعة من الأفروآسيوية (أم السامية) والجدل مستمر هكذا ولكن هذا نقاش ليوم آخر.
مهما كان الأمر فهكذا هي طبيعتنا البشرية التي تحاول دائمًا وضع أطر محددة قدر الإمكان لكل ما يدور حولنا أملا في أرشفة الأشياء في العقول والدفاتر.
ولطالما جنحت بنا هذه الطبيعة لمحاولة إيجاد إطار معرِّف لبشر يميزهم عن باقي المخلوقات. إطار يحدد للإنسان سلوكًا مختلفًا، كأن يكون هو الوحيد الذي يضحك، حتى قيل أنه الحيوان الضاحك، إلا أننا وجدنا أن بعض الرئيسيات العليا تضحك أيضاً. أو أن يكون ذكيًا، فتهنا في تعريف الذكاء لأننا أيضًا وجدنا في الحيوانات شيئًا من الذكاء. ولا زلنا نحار في التعريف الذي يمكننا من تأطير الظاهرة البشرية لأرشفتها في الأذهان والدفاتر ولكي نستجيب لهذه الطبيعة التي تلح علينا بتعريف الأشياء.
ولكن ذكاء البشر شيء لا يمكننا تجاوزه دون وقفات في تجلياته السلوكية والتحليلية. وقد يكون هو المعرِّف الأمثل في نهاية المطاف، وخصوصًا في نبضات الفكر التي تشمل مضامين "الأنا" و "الآخر" على سبيل المثال، أو التفكر فيما يحدث وراء هذا الجبل، أو الضفة الأخرى البعيدة غير المرئية من النهر. فهل تنشغل الحيوانات الأخرى بهذه المضامين بحيث يتعرف الأسد "سيمبا" على كينونته الفردية وسط عائلته فيشير لنفسه بأنه الأسد سيمبا؟ أم أنه يتعرف فقط باستشعارات غرائزية جنسية إلى رتبته المجردة في العائلة كذكرها المدافع عنها أمام اقتحام ذكور أخرى لحرمة العائلة؟
كما أن محاولات تعريف الذكاء تختلط علينا في أحيان كثيرة مع مفاهيم الوعي الذي يحتمل مضامين ميتافيزيقية نتعاطى معها فقط في المساحات التي تتيحها الفلسفة، وهذه الأخيرة عصية على مباضع التجريب فلا يمكننا تخطئتها مخبريا. فمفهوم الوعي يشتمل على أبعاد لا يبدو أننا تمكنا خلال تاريخنا الحضاري والمعرفي من امتلاك أدوات التجريب التي تسهل علينا دراستها وتبقى مجالاتنا المتاحة للدراسة هي في التشريح والفيسيولوجيا.
التقرير المترجم أدناه يحاول سبر أغوار أعمق من مجرد الصفات والممارسات الظاهرة على البشر التي ثبت أنها لا تكفينا لكي نتخذ منها منطلقًا لملاحظة الفروق الفيسيولوجية بين البشر وباقي الحيوانات. فهذه الصفات والممارسات ليست إلا نتائج نهائية لخواص فيسيولوجية أولية لن نتمكن من مراقبتها إلا في الثنيات الدقيقة للدماغ، بل في خواصه الكهربية والكيميائية. وهو ما يتطلب منا دراسة هذه الخواص وتفاعلاتها المرتبطة عبر الجهاز العصبي وصولاً إلى الحواس التي تمثل للجهاز مجساته التي يستشعر من خلالها مفردات البيئة.
البحث المترجم
باحث علوم الأعصاب في جامعة ليستر تعرّف على اختلاف جوهري بين دماغي الإنسان والحيوان. هذا الاختراق العلمي ، الذي نُشر في مجلة Cell ، قدم شرحًا لما يجعل الإنسان (1) مختلفًا عن أقرب أقربائنا . يمكن أن يكون مفتاحًا لفهم الذكاء البشري.
البروفيسور رودريغو كويان كيروغا Rodrigo Quian Quiroga ، من قسم علم الأعصاب وعلم النفس والسلوك اكتشف في السابق ما يسمى بـ `` خلايا جينيفر أنيستون العصبية '' أو `` الخلايا المفاهيمية '' (ويطلق عليها أيضًا خلايا الجدة (تفاصيل أكثر عنها في 2 و 3 و 4 ) - وهي خلايا الدماغ التي تصدر جهد فعل / نبضة عصبية (fire) بشكل متكرر عندما تُعرض صور مختلفة لشخص معين ، أو حتى يُعرض / يُذكر اسم هذا الشخص . تشير الورقة الجديدة الني نشرت في مجلة الخلية Cell (انظر 5) إلى أن هذا النوع من الخلايا العصبية قد يكون فريدًا من نوعه لدى البشر. البحث يوحي بأن ذاكرة الإنسان تختلف عن ذاكرة الحيوانات ، وبالتالي فهي تُعتبر مصدرًا محتملًا للأفكار ذات المستوى العالي ، بناءً على المفاهيم والمجردات ، والتي لا توجد حتى في أكثر الحيوانات ذكاءً
أُجري قدر كبير من الأبحاث العصبية على مر السنين على أدمغة الفئران والجرذان والقردة ، والتي يمكن جسها باستخدام أقطاب كهربائية لفهم آليات وظائف الدماغ. غير أن مثل هذا البحث على البشر غير مسموح به لأسباب أخلاقية بيّنة.
واحدة من الحالات القليلة جدًا التي تُغرس فيها أقطاب كهربائية في دماغ إنسان بالغ هي عندما يُقرر جراء عملية جراحية لعلاج الصرع الذي يعاني منه. وهذا يعطي الباحثين أمثال البروفسور كويان كيروغا فرصة فريدة لدراسة أفراد الخلايا العصبية البشرية التي تصدر جهد فعل / نبضة عصبية (firing) استجابةً لمحفزات / مثيرات معينة كالصور والكلمات.
حتى الآن ، كان يعتقد أن أدمغة الثدييات كلها متشابهة بشكل أساسي عبر الأنواع species المختلفة. ومع ذلك ، لابد أن يكون هناك سبب للبشر حتى يتطوروا / يرتقوا بالطريقة التي تطوروا بها ، وتمييز أنفسهم عن الأنواع الأخرى. الثدييات الأخرى تستطيع أن تكوّن ذكريات وتتعلم وتفكر ، ولكنها أبعد ما تكون عن مدى ما وصل إليه البشر. حتى الطفل الصغير يتفوق بسرعة على القردة العليا الأخرى في القدرة على التعلم. إذن أين يكمن الاختلاف؟
يقترح البروفيسور كويان كيروغا Quian Quiroga أن "الخلايا المفاهيمية / خلايا الجدة" داخل الحُصين ، والذي هو جزء من الدماغ المرتبط بالذاكرة ، قد تكون الإجابة على سؤال : [أين يكمن الإختلاف؟]. هذه الخلايا غير موجودة في حصين القردة أو الفئران ، مما يشير إلى أن وجودها يمكن أن يفسر ما يجعل البشر مختلفين عن الحيوانات الأخرى ، مما يؤدي إلى (يكون سببًا في) اللغة والفن والعلم وإلى جميع مظاهر الحضارة الأخرى.
يكمن المفتاح في حقيقة أن "خلايا المفاهيم (خلايا الجدة) " تصدر فعل جهد / نبضة عصبية إلى شخص معين ، كممثل أو أحد المشاهير ، بغض النظر عن السياق. سواء أكانت صورة لجينيفر أنيستون Jennifer Aniston لتظهرها كأحد الشخصيات في مشهد فيلم ما أو تمشي على سجادة حمراء أو مسترخية في منزلها، فإن الخلايا العصبية نفسها تصدر بصورة أو أخرى فعل جهد / نبضات عصبية في كل مرة. نفس الخلايا العصبية تصدر أيضًا فعل جهد/ نبضات عصبية عندما يرى الشخص أو يسمع اسم الممثل أو يقوم بعمل اقتران [تذكر اقتراني]، مثل تذكر رؤية جينيفر في مكان معين. فتغيير الملابس أو السياق لا يغير "المفهوم" الأساسي وبالتالي لا يؤثر على استجابات الخلايا العصبية.
في المقابل ، أظهرت الدراسات التي أجريت على الفئران أن التغييرات في بيئتها ، مثل إعادة ترتيب الساحة التي تجري عليها التجارب ، تثير مجموعة مختلفة تمامًا من الخلايا العصبية. عصبونات الجرذ لا تستجيب لبيئة متغيرة قليلاً مثل المكان نفسه ؛ التغييرات في السياق تغير من اصدار الخلايا العصبية جهد الفعل. يجادل البروفيسور كويان كيروغا بأن الخلايا المفاهيمية في أدمغة الإنسان ، والتي تخزن تمثيلًا مجردًا - معنى المحفز / المثير ، خاليًا من التفاصيل والمعلومات السياقية - قد تكون مفتاحًا لعمل استدلالات ومقارنات وإقترانات ذات مستوى عالٍ يقوم بها البشر بشكل طبيعي وبدون جهد وعناء
هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها التعرف على جانب بيولوجي أساسي يميز أدمغة الإنسان عن أدمغة الأنواع الأخرى.
قال البروفيسور كويان كيروغا "إن الطرح القائل بأن الخلايا المفاهيمية قد تكون مفتاح الذاكرة البشرية وقدراتنا المعرفية الفريدة من نوعها هو طرح جريء ومذهل في نفس الوقت. يحتاج المرء فقط إلى إدراك أن دماغ الشمبانزي يبلغ حوالي ثلث حجم دماغ الإنسان ليفهم أنه لا بد أن يكون هناك شيء مختلف تمامًا في الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري. فكرة أن الخلايا المفاهيمية هي مفتاح الذكاء البشري لها دلالات واسعة النطاق لفهم الاختلافات المعرفية مع الأنواع الأخرى وربما مع الذكاء الاصطناعي. سواء أكان صوابًا أم خطأ ، نأمل أن تفتح مناقشات جديدة ما يجعلنا بشرًا يتجاوز الفلسفة البسيطة ويستند إلى نتائج علم الأعصاب ".
قال البروفيسور إيان فورسيث Ian Forsythe ، رئيس قسم علم الأعصاب وعلم النفس والسلوك في جامعة ليستر: "أبحاث وأفكار رودريغو كويان كيروغا تتحدى ما نظن أننا نعرفه عن الإدراك البشري ، ولها ملازمات بعيدة المدى لفهم الدماغ وعن ماهية ما يجعلنا بشرًا.
مصادر من خارج وداخل النص
1-https://ar.wikipedia.org/wiki/إنسان
2-خلية الجدة ، التي تسمى أحيانًا "عصبون جنيفر أنيستون" ، هي خلية عصبية افتراضية تمثل مفهومًا أو كائنًا معقدًا ولكنه محدد. تنشط هذه الخلية عندما "يرى الشخص أو يسمع أو خلافًا لذلك يميز بطريقة معقولة" شخصية اعتبارية مستقلة معينة ، مثل جدته. المصطلح كان مستخدمًا على الأقل منذ عام 1966 بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب في قسم علم النفس التجريبي في جامعة كامبريدج ، إنجلترا. مفهوم مشابه لهذا المفهوم ، مفهوم الخلايا العصبية الإدراكية gnostic ، اقترحه جيرزي كونورسكي بعد ذلك بعامين (انظر 3)، ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان : https://en.wikipedia.org/wiki/Grandmother_cell
4-https://en.wikipedia.org/wiki/Jerzy_Konorski
المصدر الرئيس
https://le.ac.uk/news/2019/november/14-concept-cells

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق