جامعة ولاية بنسلفانيا
بقلم سام شولتس
المترجم : عدنان أحمد الحاجي
قدم له وراجعه عادل عبد الله البشراوي، باحث في علم الإنسان القديم
المقالة رقم 371 لسنة 2020
Did early life need long, complex molecules to make cell-like compartments?
Penn State University
Sam Sholtis
23 November 2020
مقدمة عادل عبد الله البشراوي
لا نبالغ عندما نعد تخلق بذرة الحياة على أنها بين هم أحجيات العلم التي لو أردنا حصرها فسوف نعجز في هذه العجالة، بل سوف نبقى عاجزين حتى لو توفر لنا متسع، ولكننا قد نكتفي بثلاث منها لنعتبرها الأهم وهي، ظاهرة نقطة التفرد التي انطلق منها الإنفجار العظيم المشكّل للكون، وثورة الإدراك التي طرأت في أطوار معينة في حياة البشر الحديث وأضافت للبشر أبعاداً روحانية وإبداعية غير مسبوقة في عالم الأحياء، إضافة لبذرة الحياة التي نحن بصدد الحديث عنها.
اللغز يبدأ – وأكيد لن ينتهي- بالظروف التي هيأت هذا الإنبعاث النابض والذي لا تتوفر لنا أي آليات واضحة لظهوره وسط خلفية من جمود طاغ على سطح الأرض لازمها منذ تكونها قبل حوالي 4.6 مليار سنة. وأخص الحديث عن الأرض لأننا ببساطة لا ندري عما إذا كان هناك أثر للحياة خارجها، وفي حال كان هناك معالم للحياة خارجها، فهل كان ذلك سابقًا على ظهور معالمها على الأرض، أم أن الأرض سبقت غيرها. وقد لا يبدو الحديث عن معالم للحياة خارج الأرض ملحّاً هنا، إلاّ أن وجود فرضيات تقول بوصول جزيئات من الأحماض لأمينية، وهي أبسط أشكال المواد العضوية، محملةً على نيازك من خارج الأرض يفرض علينا التفكر في هذا الإحتمال.
مهما كان الأمر وسواء تمت الظاهرة على الأرض أم خارجها فافتراض تخلّق المادة العضوية الأولية ومن ثم تعقدها عبر عمليات فيزيائية كيميائية Physicochemical processes هو أمر لا يختلف عليه العلماء، وهذه نظرية تسمى التخلّق التلقائي Abiogenesis. ولكن هذا لا يغير شيئاً في كون الظاهرة لا تزال لغزاً من حيث أننا لم نتعرف على سيناريوهات تحوّل المادة اللاعضوية إلى عضوية. ورغم تعدد الفرضيات التي تحاول شرح هذه النقلة، إلا أننا لم نتوفر على دلائل كافية للتأكد من صلاحية أي منها.
ولكي نوضح أبعاد المشكلة، فنحن لا نستطيع التعاطي مع هذه الظاهرة بالإعتماد على معارفنا التي تعلمناها في علوم الأحياء التطورية، حيث أن معاول وآليات التطور لم تبدأ مع النقلة من الحالة اللاعضوية إلى العضوية. صحيح أنني شخصياً أتبنى فهماً يقول بأن الكون كله، ومنذ الإنفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة، يتعاظم وتتشكل عناصره وفق مفهوم التطور، ولكن هذا المفهوم يختلف عن علوم الأحياء التطورية، حيث أن هذه الأخيرة هي تفصيل ضمن المفهوم لها محدداتها العلمية الخاصة. آليات عمل الأحياء التطورية لن تبدأ إلا بعد تشكل جزيئات وإنزيمات معقدة كالحمض النووي الريبي واحتمائها داخل غشاء بلازمي يكفل لها الحفظ من متغيرات البيئة. وعندها فقط تبدأ عملية التناسخ الذاتي Self replication الذي يمكننا من بدء دراسة حياة الخلايا بمعارف الأحياء التطورية ووفق نظرية الإنتخاب الطبيعي.
أما أحد أهم ألغاز الظاهرة فهو المتعلق بالغشاء البلازمي أو الخلوي Cell membrane الذي يحمي المواد العضوية المكونة لمادة الخلية. فالسيناريو الذي تشكل من خلاله هذا الغشاء اختياري النفاذ Semipermeable membrane هو لغز آخر ضمن سلسلة من الألغاز تجتمع كلها وتعقد من مهمة فهمنا لظاهرة انبثاق بذرة الحياة.
التقرير المترجم أدناه يطرح دراسة حديثة قام بها بعض الدارسين من جامعة وبلاية بنسلفانيا لمحاولة تخليق الغشاء باستخدام بوليمرات متنوعة وخصوصا منها القصيرة Short polymers لمحاكاة الظروف التي كانت متوفرة في أجواء الأرض الأولى. والهدف هو التحقق من قدرة هذه الأغشية المصنعة مخبرياً على حفظ مكوناتها الداخلية وإبقائها في وسط سائل يختلف في قيمة الأس الهيدروجيني والتركيز ومستوى الملوحة عن السائل خارجه، وهو ما سوف يحقق لنا خطوة مهمة في التعرف على الآليات التي قد تكون حدثت بالفعل. وقد لفتني في التقرير قول البروفيسور فيل بيفيلاكوا Phil Bevilacqua"نحن لا نستهدف التمثيل الدقيق لماحدث على الأرض قبل بلايين السنين، بل مجرد إمكانية بدء الحياة".
البحث المترجم
حويصلات الخلية الأولية Protocell compartments المستخدمة كنماذج للخطوة المهمة في التطور الأول للحياة على الأرض يمكن أن تُخلّق من بوليمرات قصيرة. البوليمرات القصيرة ، التي تقارب بشكل أفضل الحجم المحتمل للجزيئات الموجودة على الأرض القديمة ، من الحويصلات عبر فصل بين سائلين مختلفين في الصفات (تعريف أكثر في 1) بنفس طريقة فصل البوليمرات الطويلة. على الرغم من عدم وجود غشاء يفصلها عن بيئتها ، إلا أن الخلايا الأولية يمكنها استصفاء (فصل) الحمض النووي الريبي RNA والحفاظ على بيئات مكروية microenvironment داخلية متميزة ، حتى أنها تتفوق في بعض النواحي على الحويصلات المماثلة لها المصنوعة من البوليمرات الطويلة.
الوورقة التي تفصل البحث نُشرت من قبل باحثين من جامعة ولاية بنسلفانيا ، في . 23 نوفمبر 2020 في مجلة نيتشر كوميونيكاشينز Nature Communications.
"الخطوة المهمة للتطور الأولي للحياة على الأرض هي الفصل / العزل compartmentalization "كما قالت كريستين كيتنغ ، برفسورة الكيمياء المرموقة في جامعة ولاية بنسلفانيا وإحدى قادة فريق البحث: الكائنات الحية تحتاج أن تكون مفصولة بطريقة ما عن بيئتها لأنها حاجة للكائن. أردنا معرفة ما إذا كان بإمكاننا صنع حويصلات يمكن أن تعمل كالخلايا الأولية من جزيئات هي أكثر شبهًا في الحجم لجزيئات كانت موجودة على الأرض عندما بدأت الحياة. "
استخدث الباحثون حويصلات ، تسمى "الغرنويات المعقدة" (راجع 2 للتعريف) ، بالجمع بين بوليمرين يحملان شحنات متعاكسة في محلول (سائل). تنجذب هذه البوليمرات لبعضها البعض ويمكن أن تشكل قطرات (غرنويات) من خلال فصل سائلين مختلفبن في الشحنة عن بعضهما (1) ، على غرار فصل قطرات الزيت التي تتكون في تتبيلة (صلصة) السلطة أثناء انفصالها. اعتمادًا على الظروف ، يمكن أن تظل البوليمرات منتشرة بشكل متجانس في المحلول ، ويمكن أن تشكل غرنويات شبيهة بالخلية الأولية ، أو يمكن أن تتكتل معًا لتشكل تراكمات صلبة solid aggregates.
قارن الباحثون أطوالًا مختلفة من بوليمرات متكونة من وحدات كيميائية تحمل شحنة كهربية ، من 1 إلى 100 وحدة. البوليمرات الأطول تحمل شحنات أكبر ، وتنجذب بقوة لبعضها البعض بشكل أكبر ، ويمكن أن تشكل حويصلات بسهولة أكبر في مجموعة ظروف تجريبية أوسع.
"لقد اختبرنا عددًا كبيرًا من مجموعات من أنواع وأطوال بوليمرات في محاولة لإيجاد عوامل parameters تكوّن الحويصلة" كما قالت فاطمة بير كاكماك Fatma Pir Cakmak ، طالبة الدراسات العليا في جامعة ولاية بنسلفانيا في فترة عملها على البحث والمؤلفة الأولى للورقة البحثية: "وجدنا أن البوليمرات التي لا يتجاوز طولها خمس وحدات يمكن أن تشكل حويصلات مستقرة (ثابتة)."
جرب الباحثون أيضا قابلية قيام الحويصلات المصنعة من البوليمرات القصيرة بمهام معينة للخلايا الأولية. أظهرت الحويصلات استقرارا (ثباتًا) في تركيزات ملحية متفاوتة، واعتماداً على تركيب البوليميرات، تمكنوا من الإحتفاظ في الحويصلات بمحلول له معدل أس هيدروجيني مختلف عن معدل المحلول الخارجي المحيط بالحويصلة.
"لا نعرف الظروف التي تشكلت فيها الحياة" كما قال ساهيون تشوي Saehyun Choi ، طالب الدراسات العليا في جامعة،ولاية بنسلفانيا وأحد مؤلفي الورقة، " وقد تشكلت في محيط أو في ماء قليل الملوحة أو في مياه عذبة. الحويصلات ثابتة ( مستقرة) في ملح ذي تركيزات عالية بما يكفي لتوحي بأنها نموذج مناسب لأي من هذه الحالات ".
عندما أضيفت جزيئات الحمض النووي الريبي RNA أحادي السلسلة إلى المحلول ، كانت الحويصلات المصنوعة من بوليمرات قصيرة الطول أكثر قدرة على فصل الحمض النووي الريبي RNA من الحويصلات المصنوعة من البوليمرات الطويلة. جزيئات الحمض النووي الريبي داخل الحويصلات رُكزت بما يصل إلى 500 ضعف المحلول المحيط. فصلت جزيئات RNA مزدوجة السلسلة أيضًا بالحويصلات وكانت أكثر استقرارًا في الحويصلات المصنوعة من بوليمرات قصيرة الطول.
اختبر فريق البحث أيضًا قدرة ال RNA على الحفاظ على بنيويته القابلة للطي الثلاثي الأبعاد في داخل الحويصلات .
"في ظل الظروف التي اختبرناها ، كوّن الحمض النووي الريبي جزءًا كبيرًا من بنيوته الثانوية ولكنه لم يحافظ على طيه الأصلي بالكامل داخل الحويصلات" كما قال ماكولي أو.ماير ، طالب الدراسات العليا في جامعة ولاية بنسلفانيا والمشارك في تأليف الورقة البحثية: "لم نلاحظ اختلافًا في الأساس استنادًا إلى حجم البوليمرات المكوّنة للحويصلات ، لذلك ربما لم يكن لدينا ما يكفي من المكون الرئيس - شيء مثل المغنيسيوم ، وهو أمر مهم لطي الحمض النووي الريبي الأصلي بالكامل."
تثبت النتائج أنه حتى مع وجود مكونات صغيرة بسيطة ، يمكن استحداث حويصلات لها قدرات على عمل العديد من السمات المميزة للخلايا الأولية.
"هذا الإكتشاف اكتشاف قوي إلى درجة أن نرى أنه يمكننا صنع هذه الحويصلات من هكذا بوليمرات قصيرة ، وبطريقة ما ، مثل تراكم الحمض النووي الريبي ،تعمل بشكل أفضل من تلك المصنوعة من البوليمرات الطويلة" كما يقول كيتينغ Keating . "تشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أنه حتى لو كانت جزيئات صغيرة متوفرة فقط في الأرض القديمة ، يمكن أن تتشكل حويصلات عاملة. بمرور الوقت ، يمكن دمج جزيئات أكبر عندما تصبح متوفرة.
أكد الباحثون أن البوليمرات التي يستخدمونها وافقت جوهر جزيئات الأرض القديمة الممكنة ولكن من المحتمل ألا تكون مثل تلك المتوفرة على الأرض القديمة ، باستثناء الحجم. وذكر الباحثون أنهم لا يحاولون إعادة ايجاد ظروف الأرض القديمة التي أدت إلى تطور الحياة.
وقال فيل بيفيلاكوا Phil Bevilacqua ، برفسور الكيمياء والكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية في حامعة،ولاية بنسلفانيا ، وأحد قادة فريق البحث: "ما نحاول تحقيقه ليس هو النسخة طبق الأصل الدقيقة لما حدث على الأرض منذ مليارات السنين". "ولكن، نريد أن نعرف مدى امكانية بدء الحياة. نحن نستكشف الشروط الحدية boundary conditions - [وهي مححدات ضرورية لحل مسألة القيمة الحدية، مترجم من 3 ]، ويجب أن يكون لديك بوليمرات قصيرة قبل أن تحصل على بوليمرات طويلة ".
مصادر من عداها وخارج النص
1-"عملية فصل سائل من سائل اخر والتي تنتج عند خلط محلولين متعاكسين في الشحنة، مما يؤدي إلى تشكيل محلول غني الكثافة " اقتبسناه من نص ورد على هذا العنوان : https://ar.wikipedia.org/wiki/الغرونيات
2-"الغرونيات هي قطرات عضوية تتشكل عبر سائل فاصل واضح بالعين المجردة، نتج بصورة رئيسة من عناصر معاكسة الشحنة ( أيونات كبيرة، عديد الكتروليت، عديد السكاريد ، البروتينات ، إلخ) أو من جزيئات متنافرة مع ذرات الماء (مثل الإيلاستين ). عندما يحدث التهييج، تتعايش مرحلتان سائلتان: مرحلة كثيفة غنية بالبوليمرات (طور (coacervate) أو قطرات (coacervate)) ومرحلة شديدة التفتت تنقصها البوليمر (مرحلة مخففة). يمكن قياس القطرات من 1 إلى 100 ميكرومتر عرضاً، في حين أن سلائفها القابلة للذوبان عادة ما تكون أقل من 200 نانومتر. اسم "coacervate" مشتق من كلمة coacervare اللاتينية ، بمعنى "التجميع معًا أو التجمع" اقتبسناه من نص ورد على عذا العنوان : https://ar.wikipedia.org/wiki/الغرونيات
3= https://www.simscale.com/docs/simwiki/numerics-background/what-are-boundary-conditions/
المصدر الرئيس


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق