الاثنين، 14 ديسمبر 2020

سيكلوجية السببية

عالم النفس يسلط الضوء على أحد المفاهيم الأساسية للإنسانية: السبب والنتيجه

 

10 ديسمبر 2020

 

المترجم : عدنان أحمد الحاجي

 

المقالة رقم 389 لسنة 2020

 

The Psychology of Causality

 

Psychologist illuminates one of humanity’s most fundamental concepts: cause and effect

 

December 10, 2020

 

كالوالد (الأم آو الأب) الذي تضايقه أسئلة لا تنتهي من طفله الصغير، سيجد معظم الناس أنفسهم بين الفينة والأخرى في خضم سلسلة لا حصر لها من السبب والنتيجة حين يضعون نصب أعينهم السبب الذي أدى إلى حدث معين. وعلى الرغم من أن هناك العديد من العوامل التي قد تساهم في حدث ما، فإننا غالبًا ما نفرد عددًا قليلاً فقط منها كمسببات له. فكيف نبتُّ في ذلك؟

 

هل عود الثقاب الذي تسبب في اشعال النار في الغابة آم السنين الطويلة من الجفاف تسبب في ذلك؟

ذلك كان موضوع الورقة البحثية الأخيرة التي أعدها تاديج كويلين  Tadeg Quillien، طالب الدكتوراه في قسم العلوم النفسية والدماغية في جامعة ولاية كالفورنيا في سانتا باربرا. توضح الدراسة، التي نُشرت في مجلة الإدراك Cognition [تحت عنوان "متى نعرف ان س هي المسببة ل ص"، 1] ، كيف يؤثر دور عامل factor ما في حدث ما على ما إذا ما اعتبرناه سببًا لهذا الحدث أم لا.

 

في ورقته البحثية،  كويلين صمم نموذجًا حسابيًا (رياضيًا) للحكم  على المسبب المؤدي للنتيجة (العلاقة بين السبب والنتيجة causal judgement))  التي تحاكي بديهيات الناس بشكل أفضل من أي نموذج سابق. بالإضافة إلى تقديم رؤى نظرية، فإن معرفة كيف نعلل السببية له آثار كبيرة مترتبة على كيف نتعامل مع المشاكل بشكل عام.

 

من الناحية البديهية، فإن الحدث الذي له الدور الأقوى في تحديد النتيجة يعتبر بشكل عام هو سبب تلك النتيجة. في الواقع، رصد الفلاسفة وعلماء النفس تصنيف البشر للأسباب التي وراء حدث ما في دراسات مختلفة. على سبيل المثال، إذا وُجد عود ثقاب في مشهد حريق في الغابة، فعادة ما يقول الناس أن عود الثقاب هو المسبب للحريق، على الرغم من أن أكسجين الهواء كان ضروريًا أيضًا لإشعال الحريق.

 

"ولكن ماذا نعني بـ" الدور الأقوى"؟"سأل كويلين. "لا يزال هذا فكرة غير واضحة للغاية، وجعله هذا الدور أكثر دقة فقد كان ذلك مصدر صداع [عوار الرأس كما نقول نحن بالعامية] للفلاسفة وعلماء النفس الذين يحاولون فهم العلاقة السببية على مدى العقود الماضية."

 

قارب كويلين Quillien هذا السؤال بالأخذ في الاعتبار الغرض التطوري الذي تخدمه عملية تحديد (معرفة) العلاقة بين السبب والنتيجة (causal reasoning، انظر 2). "تتمثل إحدى وظائف تحديد العلاقة بين السبب والنتيجة على الأقل في إبراز العوامل الأكثر فائدة في توقع النتيجة، كما اقترح كويلين، بالإضافة إلى العوامل التي يمكنك التلاعب بها للتأثير على النتيجة".

 

ذكّرت العملية كويلين بباحث علمي يسعى إلى فهم كيف ترتبط الظواهر المختلفة ببعضها. يستطيع الباحثون إجراء تجارب منضبطة على العديد من الحالات المختلفة لتحديد حجم التلازمات correlations (كميّاً) وتحديد مقدار التأثير، وهو العلاقة بين أحد المتغيرات ومتغير آخر.

 

ولكن إذا قبلنا أن هذا هو ما يحاول العقل فعله، فستظهر مشكلة. يعتمد الباحثون على الرصد المتكرر قبل الوصول إلى الحكم. لا يمكنهم حساب مقدار التأثير من حدث واحد(تجربة واحدة) . ومع ذلك ، لا يجد الناس عمومًا مشكلة في تحديد العلاقة السببية لمرة واحدة.

 

يعتقد كويلين أن هذه المفارقة يمكن حلها بالفرضية التالية. عندما يحدد الناس السبب المؤدي للنتيجة، يتصورون لا شعوريًا هذه الطرق المختلفة التي يمكن أن يتكشف بها حدث ما. "هذا التفكير المخالف للواقع (راجع 3 للتعريف) يعطيك البيانات التي تحتاجها للقيام بحوسبة مقدار التأثير هذا،" كما قال كويلين  

 

مسترشدًا بهذه الأفكار، كويلين قام بتصميم نموذج رياضي / حسابي بسيط عن كيف يحدد الناس العلاقة السببية. من أجل أن يختبر نموذجه، قام بتحليل البيانات من تجربة أجراها باحث علم النفس آدم موريس وزملاؤه. التجربة استخدمت لعبة من ألعاب اليانصيب لاستكشاف تأثير احتمال وقوع حدث ما والترتيب المنطقي على البديهيات السببية للناس.

 

"إحتمالية وقوع الأحداث تؤثر على احساسنا بالسببية بطريقة غريبة". كما أوضح كويلين: خذ مثلاً، البرفسور كارل يريد تمويلًا لمشروع ما. تمت مراجعة طلبه من قبل رئيسي القسم، أليس Alice  و بيل Bill، كل منهما يحتاج أن يوافق على الطلب. أليس Alice توافق على كل طلب يقدم لها،  ولكن بيل مشهور بأنه يرفض الموافقة على معظم الطلبات التي تقدم له، والسؤال هو، لو استلم كارل التمويل الذي طلبه، من هو المسؤول الأكثر احتمالية الذي وافق على طلبه؟

 

قد يقول معظم الناس أن بيل كان السبب في الموافقة على طلب كارل للحصول على التمويل، لأن الحصول على مباركته (تأييده للطلب) له تأثير أكبر بشكل عام على استلام التمويل.

 

ولكن، قم بتغيير جزئية واحدة فقط، وستنقلب بديهيات الناس. لو احتاج كارل فقط إلى موافقة واحد من زملائه (بيل أو أليس) ، فإنه سيحصل على موافقة كليهما، حينها سينسب الناس تمويل كارل إلى أليس Alice. في هذه الحالة، دعم أليس المعول عليه بشكل أكثر هو العامل الأقوى في تمويل مشروع كارل.

 

في تجربتهم، تمكن موريس وزملاؤه من التحديد الدقيق لمقدار هذا التأثير الذي كان لاحتمال وقوع حدث ما على حكم الناس على المسبب. استنتاجهم كان مفاجئًا، ولا توجد نظرية سيكلوجية في ذلك الوقت يمكن أن تفسر نتائجهم تلك.

 

عندما أعاد كولين تحليل بياناتهم، وجد أن نموذجه الرياضي يطابق بشكل وثيق كيف قام المشاركون في تجربة موريس بنسبة (بإرجاع) السببية للأحداث المختلفة. في الواقع ، لقد طابق نموذجه البيانات بشكل أفضل من أي نموذج آخر حتى الآن.

 

تسلط النتائج الضوء على كيف تفيد احتمالية وقوع حدث ما والتنظيم المنطقي معًا بداهتنا السببية. عندما يكون كلا التصويتين ضروريان لكارل للحصول على التمويل،  فلن يحدث ذلك إلا إذا كان عضو اللجنة الأكثر صرامة في المجلس. ونتيجةً لذلك، ينسب الناس النتيجة الإيجابية إلى التصويت الأقل احتمالًا. وعلى النقيض من ذلك، في الحالات التي يكفي فيها صوت واحد، فإن موافقة عضو هيئة التدريس الأكثر تساهلاً هي التي تحدد النتيجة في أغلب الأحيان. "نحن منسجمون مع الأسباب التي تميل إلى التزامن (التلازم) مع التأثيرات"كما قال كويلين.

 

موافقة من يجب أن يشكرها كارل على التمويل الذي حصل عليه؟ تعتمد على الوضع.

الطريقة التي نعلل بها السببية لها آثار عملية مترتبة عليها. تأمل مثال حريق الغابة مرة أخرى. تحتاج الحرائق إلى ثلاثة أشياء لتبدأ: الأكسجين والوقود ومصدر الاشتعال (عود الثقاب). لكن عقولنا لا تعطي هذه العوامل نفس الوزن (الأهمية).

 

"في حين قد لا يكون لدينا نموذج دقيق لكيف تعمل حرائق الغابات، فإنه لا يزال لدينا شعور بوجود الأكسجين طوال الوقت، وأن الغابات لا تشتعل فيها الحرائق دائمًا". "لذا فإن التلازم correlation بين الأكسجين والنار ضعيف نسبيًا." نفس الاستدلال المنطقي ينطبق على الوقود، وهو خشب الأشجار [في هذه الحالة]. ولكن أضف عود الثقاب إلى المعادلة، فمن المرجح جدًا أن تشتعل الغابة بالنار.

 

إن طريقة الحكم على المسبب التي حددها كويلين في دراسته جيدة في توجيهنا نحو عود الثقاب: وهو العامل الذي لديه قوة تنبؤية عالية مما قد يجعلنا قادرين على التحكم فيه. ومع ذلك، قد تضللنا بداهتنا أحيانًا عندما نحاول اكتساب فهم كامل للعالم.

 

"إذا أردت فهمًا عميقًا لكيف يعمل الحريق ، فعليك أن تأخذ دور الأكسجين في الحسبان" كما قال كويلين. "ولكن إذا كان احساسك البديهي بالسببية يصرخ في وجهك بأن الأكسجين غير مهم ، فقد يقودك ذلك إلى تجاهل بعض العوامل المهمة في العالم."

 

تحديد العلاقة بين السبب والنتيجة (causal reasoning) هو سمة ادراك موجودة بشكل مطلق، كويلين يخطط لدراسة  كيف يؤثر احساسنا بالسببية على جوانب أخرى من علم النفس ورؤية العالم. "نحن نفسر كل شيء تقريبًا من حيث السبب والنتيجة". "ونتيجة لذلك، فإن العديد من المفاهيم التي نستخدمها لفهم العالم لها علاقة بالسببية باعتبارها شيء أساسي للبناء عليه."

 

"إذا تمكنا من معرفة مفهوم السببية، فسنتمكن حينئذٍ من فهم الطريقة التي تعمل بها الكثير من المفاهيم الأخرى أيضًا."

 

 

مصادر من داخل وخارج النص 

1https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0010027720302298

 

2-https://en.wikipedia.org/wiki/Causal_reasoning

 

3-"التفكير المخالف للواقع أو التفكير المغاير للواقع (بالإنجليزيةCounterfactual thinking)‏ هو مفهوم في علم النفس الذي ينطوي على ميل الإنسان للتفكير ببدائل ممكنة لأحداث الحياة التي حدثت بالفعل؛ هذه الأفكار تتكون من أسئلة على شاكلة "ماذا لو؟" و"إذا كان لي فقط ..." و "لو أني فعلت كذا.." والتي تتطرق لإحتمالات مغايرة لما قد حدث فعلاً. الأفكار المغايرة للواقع هي الأشياء التي لا يمكن أبدا أن تحدث في الواقع لأنها لا تخص سوى الأحداث التي وقعت في الماضي" اقتبسناه من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/تفكير_مخالف_للواقع

 

 

المصدر الرئيس

https://www.news.ucsb.edu/2020/020120/psychology-causality

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق