السبت، 24 يناير 2026

هل تختلف ثقة الناس بالغريب باختلاف ثقافتهم؟ وما تداعياتها؟


المترجم: عدنان احمد الحاجي

 

 

المقالة رقم س لسنة 2026

 


Are some cultures less trusting than others?

 

January 31, 2018 

 



الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد كينيث أرو Kenneth Arrow وصف، في كتابه الصادر في 1974، الثقة على أنها "مادة تشحيم النظام الاجتماعي" (1). وبعبارة أخرى تُسهِّل الثقة التفاعلات وتجعلها أكثر كفاءة. فالتبادل الاقتصادي، على وجه الخصوص، يكاد يكون مستحيلاً عملياً دون مستوى ما من الثقة على الأقل. في عمليات البيع والشراء، تكتسب الثقة أهمية خاصة لأن البائعين والمشترين غالبًا لا يعرفون بعضهم بعضًا معرفة تامة. فلو لم توجد ثقة لدى المشتري بأن البائع سيُسلِّم البضاعة له، أو يثق البائع بأن المشتري سيدفع الثمن له، لما تمت الصفقة. تحاول الشركات التجارية والتجار الحد من حالة عدم الثقة لدى المشترين باستخدام آليات مثل تقييمات، التي يكتبها العملاء، أو سياسات الإرجاع المجانية، والتي تهدف إلى تعزيز ثقة المشترين. إلّا أنّها وحدها غير كافية. ولذا يقع على عاتق المشتري اتخاذ قرار شخصي: هل أثق في شركاء تجاريين غير معروفين يطلقون على أنفسهم أسماء رمزية أو عناوين مبهمة مثل Mae.B.O'Frawd_101.

 

فالثقة، إذن، لا غنى عنها في الحياة الاقتصادية. فحتى في الأسواق الحديثة المصممة للحد من المخاطر المالية، ما تزال الثقة أمرًا مطلوبًا عند التعامل مع الشركات غير المعروفة أو التجار الغرباء، وبدونها، سينهار التبادل الاقتصادي إلى حد كبير.


وهناك مستوى آخر من التعقيد يضاف الى سرعة انتشار العولمة التي تقرب الناس من جميع أنحاء العالم معًا. فالناس اليوم يتعاونون مع زملاء وشركاء وعملاء دوليين أكثر بكثير من السابق. وحينها يصبح من الصعب معرفة من يوثق به. فعندما ينتمي الناس إلى ثقافات مختلفة، قد تختلف مؤشراتهم على الجدارة بالثقة. فما يُعتبر صادقًا أو مهذبًا أو جديرًا بالثقة في إحدى الثقافات، قد لا يحمل المعنى نفسه في ثقافة أخرى.

فالثقة إذن تؤثر في السلوك، ومنه أسلوب التواصل بين الناس، والاتكيت (الآداب العامة) (2)، والتسلسل الهرمي التنظيمي، والتي قد تشكل جميعها عقبات هامة في وجه التعاون الدولي. ومن أجل ضمان نجاح التجارة العالمية، نحتاج إلى فهم وتقبل الفروق الثقافية في نوع ومدى الثقة. 

عدم إدراك هذه الاختلافات قد يؤدي إلى احتكاك أو ارتباك أو خلافات في التعاون الدولي، وقد يُقوّض مسألة التعاون التجاري الدولي، حتى وإن كانت النوايا حسنة.

إذن لكي تنجح التعاملات التجارية، على الناس فهم واحترام الاختلافات الثقافية في بناء الثقة والتعبير عنها والحفاظ عليها، والتكيف معها، بدلاً من افتراض أن الجميع يتعاملون مع الثقة بنفس الأسلوب.

في دراستنا (3)، شرعنا للقيام بذلك بالضبط. ونظرًا لتركيزنا على تأثير الثقة في التفاعلات الاقتصادية، قررنا مقارنة الدول ذات التنمية الاقتصادية المتشابهة، ولكن بخلفيات ثقافية مختلفة. وعلى هذا النحو، ركزنا على اليابان والمملكة المتحدة، اللتين لهما تقريبا نفس المستويات من التنمية الاقتصادية ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (4)، وذلك لدراسة الاختلافات الثقافية المتعلقة بالثقة دون الخلط بينها وبين العوامل الاقتصادية، لذا فمن غير المرجح أن تكون الاختلافات المتعلقة بالثقة ناتجة عن الثروة أو التنمية الاقتصادية. فلكل منهما تقاليد ثقافية مختلفة تمامًا. 

اليابان تتأثر بالشنتوية والبوذية (5)، وتميل إلى الجماعية (6)، مما يعني أن الناس يركزون على الانسجام الجماعي والقيم الاجتماعية والمسؤولية المشتركة، والتي تعطي الأولوية للجماعة على حساب الفردانية. ومن ناحية أخرى، 

بينما المملكة المتحدة تتميز بالتقاليد المسيحية والإنسانوية (العلمانية) (7، 8)، وتركز على الفردانية (9)، مؤكدةً على الحرية الشخصية والاستقلالية.

 الثقافات المختلفة لكلا البلدين تنعكس في طريقة تنظيم مجتمع كل منهما، وعلى مدى تأثير الاختلافات الثقافية بين اليابان والمملكة المتحدة في تنظيم الأعمال التجارية، وكيف يُؤثر ذلك في الشراكات الدولية.

يتألف المجتمع الياباني من مجتمعات متماسكة بعلاقات وثيقة بين الأفراد. في السياق المهني، هذا يتجلى في مجموعات أعمال مخلصة من خلال ما يسمى بـ "كيريتسو" (Keiretsu مصطلح يُشير إلى شبكة من الشركات المختلفة التي تنتمي إلى مجالات متمايزة ومكمّلة لبعضها البعض، مثل الشركات المصنّعة والموردين والموزعين والمؤسسات المالية. ما يميّز هذه الشبكة هو ملكية الأسهم المتبادلة حيث تمتلك الكثير من الشركات أسهماً في الشركات الأخرى، وهو ما يؤدي إلى تعزيز روح التعاون والالتزام طويل الأمد بينها (10)). وعمليًا العمل مدى الحياة مع نفس الشركة. 

ومن ناحية أخرى، في المملکة المتحدة، التي تمثل النموذج الغربي، ترکز ثقافة الأعمال بشکل أکبر علی المرونة والابتكار والتغيير، بما في ذلك دوران العمالة (Turnover)، الذي يُشير إلى نسبة عدد الموظفين المغادرين للشركة بالمقارنة مع الملتحقين بها خلال فترة زمنية محددة (11). هذا الفهم المختلف لإدارة الأعمال جنبا إلى جنب مع الاختلافات بين الثقافات (التباينات المتنوعة في الممارسات الاجتماعية والمعتقدات والسلوكيات) المتعلقة بالثقة والإقدام على المخاطرة هي عوامل مهمة على الأرجح في تحديد نجاح العلاقات التجارية بين الشركات من مختلف البلدان. أساليب إدارة الأعمال (الولاء طويل الأمد للعمالة في اليابان مقابل المرونة والابتكار وسرعة دوران العمالة في الدول الغربية)، ومستويات الثقة (الثقة القائمة على العلاقات في اليابان مقابل الثقة القائمة على العقود في الدول الغربية)، والنظرة تجاه المخاطرة والاستعداد للتغيير تؤثر في مدى سهولة التعاون بين الشركاء واتخاذ القرارات وإدارة الخلافات ومدى التزام الطرفين في الأمد الطويل.  إذن فهم هذه الاختلافات الثقافية وإدارتها قد يُحدث فرقًا جوهريًا بين شراكة ناجحة ومستدامة وشراكة أخرى مثقلة بالمشكلات أو فاشلة. قد تواجه الشركات التي لا تُدرك هذه الاختلافات الثقافية أو لا تتكيف معها صعوبة في العمل بفعالية معًا.

الجماعية أو الفردانية

وقد حاول الباحثون اليابانيون بالفعل قياس وتقدير مقدار الثقة علمياً عبر الثقافتين اليابانية والغربية عن طريق تجارب منضبطة باستخدام مهام تحفيز اتخاذ القرار (ما يسمى بالألعاب التجريبية، وهي فرع من نظرية القرار، وتركز على القرارات التفاعلية، وهي قابلة للتطبيق عندما تحدد تصرفات اثنين أو أكثر من صناع القرار معًا نتيجةً، تؤثر فيهما أو فيهم جميعًا (12)) لاختبار كيف يتخذ المشاركون قرارات تفاعلية في سياقات مالية محفوفة بالمخاطرة أو غير مؤكدة. وتكشف النتائج أن الشعب الياباني يبدو عمومًا أقل ثقة بالغرباء من الغربيين (13). وقد وجد أن هذه النتيجة (14) تأكدت إذا لم توجد عند اليابانيين أي علاقة شخصية (أو اجتماعية أو عاطفية) مع الغرباء المعنيين. إذن غياب الروابط الشخصية فاقم عدم الثقة أكثر وجعل المشاركين اليابانيين أكثر حذرًا في ثقتهم بالغرباء. إذن الثقة في الثقافة اليابانية تعتمد بشكل كبير على العلاقات: فالناس أكثر ثقة عندما تكون هناك علاقات شخصية، لا سيما في المعاملات المالية.

قد توحي الدراسات السابقة بأن الثقافات الجماعية، كالثقافة اليابانية، أقل ثقة من ثقافات المجتمعات الفردانية، مثل الثقافة الأمريكية والبريطانية. إلا أن نتائج الدراسات اللاحقة كشفت أن العلاقة بين الثقافة والثقة أكثر تعقيدًا في الواقع. فلا ينبغي، إذن، استخلاص استنتاجات بسيطة عن الثقة بناءً على الثقافة فقط. فقد أفادت دراسات سابقة بأن أفراد المجتمع الجماعي (اليابان، مثلًا) هم أقل ثقة من أفراد المجتمع الفرداني (سكان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة،). إلا أن الدراسات اللاحقة تُبين أن هذه الفكرة مُبسطة جدًا. فقد بينت تجارب مصممة بعناية أنه بالرغم من انخفاض مستويات الثقة في البداية لدى اليابانيين، خاصةً مع الغرباء، إلا أن مستوى ثقتهم واستعدادهم للتعاون يزداد حين يشعرون بمزيد من التحكم في الوضع والسيطرة عليه، أو سبق فعلهم فعلٌ تعاوني من الطرف الآخر، أو حين يبادر الطرف الآخر الغريب بالتعاون. فاليابانيون ليسوا بطبيعتهم أقل ثقة من الغربيين؛ بل إن ثقتهم تعتمد على الوضع والعلاقات السابقة وتزداد ثقتهم كلما زادت خبرتهم في التعامل مع الطرف الآخر وزادت ألفتهم بهم.

صحيح أن للثقافة دورها في مدى الثقة، لكن الثقة تعتمد بشكل كبير على السياق والتفاعل المتبادل، لا فقط على ما إذا كانت طبيعة المجتمع جماعية أم فردية.

علاوة على ذلك، وجدنا أن اليابانيين كانوا في الواقع أكثر استعدادًا من البريطانيين لتقديم التزامات مكلفة في العلاقات واستثمار الوقت أو المال أو الجهد في الالتزام بها، حتى لو كان ذلك على حسابهم الشخصي، إذا كان ذلك يحد من المخاطر المالية المصاحبة لاتخاذ القرارات. بعبارة أخرى، كانوا على استعداد للالتزام بقوة عندما يؤدي الالتزام إلى وضع أكثر أمانًا وقابلًا للتنبؤ من الناحية المالية المصاحبة لهذه الثقة.

السؤال الخطأ

في ضوء هذه النتائج الأكثر تعقيدًا، يبدو أننا كنا نطرح السؤال الخاطئ حين سألنا "أي ثقافة منهما أكثر ثقة؟" ربما لا تختلف الثقافات في المقدار، بل في النوع. فقد يبدو اليابانيون أقل ثقة في البداية، لكنهم غالبًا ما تكون ثقتهم أعمق وأكثر التزامًا بمجرد انخفاض المخاطر المالية. لذا، يكمن الاختلاف الحقيقي بين الثقافات في كيف تنشأ الثقة وتتأصل وكيف يُعبر عنها، وليس في مقدار الثقة.

وتؤيد نظرية مؤثرة في الثقة (15)، طرحها عالم النفس الياباني البارز توشيو ياماغيشي Toshio Yamagishi، هذا الرأي؛ تُركز بعض الثقافات (مثل اليابان) على الثقة القائمة على الالتزام أو العلاقات (الثقة المبنية على روابط طويلة الأمد، والتزامات، وتقليل المخاطر). بينما تُركز ثقافات أخرى (المملكة المتحدة والولايات المتحدة، مثلًا) على الثقة العامة أو المفتوحة، حيث يكون الناس أكثر استعدادًا للوثوق بالغرباء دون وجود التزامات قوية.

يُفرّق ياماغيشي بين نوعين من الثقة: الثقة العامة والثقة الآمنة أو الثقة المضمونة assurance-based trust. ووفقًا لهذه النظرية، في الثقافات الغربية الفردية (في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مثلًا). يميل الناس أكثر إلى الثقة بالغرباء تلقائيًا (الثقة العامة)، حتى دون أي تفاعل بيني مسبق. في المقابل، تتميز الثقافات الشرقية الجماعية، مثل اليابان، بنوعٍ ثقة أكثر تبادليةً تجاه الذين سبق لهم التعامل معهم، حيث لا تُمنح الثقة تلقائيًا، بل تتطور من خلال التفاعلات المتكررة والخبرات المشتركة والالتزام المتبادل وتزداد ثقة الناس حين يكون هناك ضمان على أن الطرف الآخر سيتعاون معهم.

إذن، تميل الثقافات الغربية إلى الثقة أولًا ثم التكيف لاحقًا (ثقة تلقائية عامة)، بينما تميل الثقافة اليابانية إلى التأكد من خلال التجربة والعلاقات السابقة قبل منح الثقة (أي ثقة مشروطة).

العقبة الأكبر في ممارسة الأعمال التجارية في اليابان تكمن في البداية، لكنها تصبح أسهل بكثير بمجرد أن تترسخ الثقة. نظرًا لانخفاض مستوى الثقة في الشركاء التجاريين الأجانب بشكل عام في الثقافة اليابانية، لذا، يتطلب بدء علاقة تجارية معهم وقتًا وجهدًا. بمجرد أن تترسخ هذه العلاقة، تنشأ ثقة قوية، وعندها يمكن أن تسير الأعمال بسلاسة وكفاءة، ولا يحتاجون إلى عقود تجارية مفصلة ولا إجراءات ورقية كثيرة، وقد يكون الاتفاق الشفهي كافيًا ويمكن إبرام صفقات تجارية معقدة حتى عبر مكالمة هاتفية.

تثبت هذه الدراسة متعددة الثقافات أن ثقافتنا لا تؤثر بالضرورة في مقدار ثقتنا، بل في طريقة منحنا إياها. ولذا على الشركات أن تضع هذا في اعتبارها أثناء تعاملها مع السوق الدولية وسعيها نحو تعاون تجاري مع شركات من ثقافات أخرى. كما يجب ألا نقع في خطأ الخلط بين الثقة والجدارة بالثقة: فجدارة طرف آخر بثقتنا أمرٌ مختلف تمامًا عن مجرد الثقة به (16).

 

الهوامش

1- 

https://www.amazon.com/Limits-Organization-Lectures-Public-Analysis/dp/0393093239

 

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/آداب_(سلوك)

 

3- https://psycnet.apa.org/record/2018-09269-005

 

4- https://www.imf.org/external/datamapper/NGDPDPC@WEO/OEMDC/WEOWORLD/GBR/ADVEC

 

5- https://www.oxfordbibliographies.com/display/document/obo-9780195393521/obo-9780195393521-0188.xml

 

6- https://ar.wikipedia.org/wiki/جماعية

 

7- https://humanists.uk

 

8- https://ar.wikipedia.org/wiki/إنسانوية_(فلسفة)

 

9- https://ar.wikipedia.org/wiki/فردانية

 

10- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/كيريتسو/

 

11- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/دوران-العمالة/

 

12- https://www.oxfordbibliographies.com/display/document/obo-9780199828340/obo-9780199828340-0192.xml

 

 

13- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/0022103188900510

 

14- https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/0146167204271305

 

15- https://link.springer.com/article/10.1007/BF02249397

 

16- https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/019027250606900304

 

 

الهوامش

https://theconversation.com/are-some-cultures-less-trusting-than-others-89830

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق