المترجم: عدنان أحمد الحاجي
المقالة رقم س لسنة 2026
Study in mice reveals how individual brain activity drives collective behavior
March 18, 2026
أثبت باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس مدى تأثير نشاط دماغ الفرد على ديناميكيات الجماعة، ما من شأنه أن يساعد الحيوان (وحتى الإنسان) على التكيف والحفاظ على بقائه على قيد الحياة واستقراره تحت الضغط، وخاصة في الأوضاع الصعبة أو المجهدة.
قد يتصور البعض أن البقاء على قيد الحياة فعل فردي (لا علاقة له بالجماعة)، حيث يسعى كل حيوان (وكل إنسان) إلى ما فيه مصلحته الخاصة. لكن دراسة جديدة من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أفادت بأنه عندما يتعلق الأمر بمواجهة المصاعب معًا، قد تعمل المجموعات الاجتماعية، باعتبارها نظامََا موحدََا مترابطََا أكثر من كونها مجموعة متكونة من أفراد منفردين (كل يغني على ليلاه). حيث يؤثر نشاط دماغ كل عضو في المجموعة الاجتماعية في نشاط أدمغة الآخرين في المجموعة، ما من شأنه أن يخلق استجابة منسقة بين أعضاء المجموعة بأكملها تساعد على البقاء مستقرة والتكيف بشكل أكثر فعالية مع التحديات.
استكشفت الدراسة (1)، المنشورة في مجلة "نيتشر نيوروساينس"، كيف تتجمع الفئران معًا طلبًا للدفء في الجو البارد، وما يعنيه ذلك من تشكيل سلوك الجماعة واستراتيجيات البقاء الجماعية.
أهمية هذه الدراسة: في وقت يُعترف فيه بالعزلة الاجتماعية باعتبارها خطرََا صحيََا جسيمََا، وتُفهم فيه حالات، مثل الاكتئاب والفصام، على أنها تنطوي على اضطرابات في التواصل الاجتماعي، تُقدم نتائج، مثل هذه النتائج، أفكارََا جديدة لفهمنا لعملية اتخاذ القرار الاجتماعي وتماسك الجماعة بشكل عام. وتتجاوز أهمية هذه النتائج نطاق الحيوانات، إذ يشير إلى أن الروابط الاجتماعية تلعب دورًا حاسمًا في طريقة اتخاذ الأفراد للقرارات وتفاعلهم باعتبارهم أفرادََا يتبعون مجموعة. ونظرًا لأن اضطرابات نفسية تصيب البشر، مثل الاكتئاب والفصام، غالبًا ما تنطوي على صعوبات في التفاعل الاجتماعي، فإن هذه النتائج قد تساعد الباحثين على فهم كيف تعمل الروابط الاجتماعية السليمة بشكل أفضل، ولماذا يمكن أن يكون لفقدانها آثار خطيرة على الصحة النفسية والبدنية.
ماذا تناولت الدراسة؟
تتبّع الباحثون مجموعات من الفئران تتحرك بحرية أثناء تعرضها لجو بارد، مستخدمين التصوير السلوكي والحراري. يُعدّ التصوير السلوكي والتصوير الحراري طريقتين متكاملتين يستخدمان لمراقبة الحيوانات دون إزعاجها. فالتصوير السلوكي ينطوي على تسجيل وتحليل حركات الحيوان وتفاعلاته وأفعاله، مثل انضمامه إلى المجموعة أو تركها. من جهة أخرى، يستخدم التصوير الحراري كاميرات الأشعة تحت الحمراء الخاصة لتسجيل حرارة الجسم، حين تجتمع معًا للحفاظ على الدفء. وبالجمع بين هاتين الطريقتين، يستطيع الباحثون معرفة ليس فقط ما تفعله الحيوانات، بل أيضًا العلاقة بين حالتها الفيزيائية، ومنها شعورها بالدفء أو بالبرد، وبين سلوكها.
استخدم الباحثون هاتين الطريقتين لدراسة كيف تنظم الحيوانات نفسها وتجمعها طلبََا للدفء. ووجدوا أن دور كل فأر في التجمع قد يتخذ أشكالًا مختلفة: الاختيار المقصود للانضمام إلى المجموعة، أو البحث عنه من قبل الآخرين، أو اختياره مغادرة المجموعة، أو البقاء وحيدًا. وراقبوا نشاط الدماغ في قشرة الفص الجبهي، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات والسلوك الاجتماعي. ثم قاموا بتعطيل وظيفة هذه المنطقة الدماغية بشكل انتقائي لدى بعض الفئران داخل كل مجموعة، تاركين بقية أفراد المجموعة على حالتها الطبيعية دون تغيير، لمعرفة مدى تأثير التغيرات في نشاط دماغ عدد قليل من الفئران على سلوك المجموعة بأكملها وتنظيمها.
النتائج التي توصلوا إليها
الدراسة وجدت أن قشرة الفص ما قبل الجبهي لا تقتصر وظيفتها على توجيه قرارات أو خيارات الحيوان فحسب، بل تراقب أيضًا ما يفعله الحيوانات الأخرى في المجموعة، وكأنها تتنبأ بسلوكها أو تحاكيه بشكل مستمر. وحين تم تعطيل وظيفة المنطقة الدماغية هذه في بعض الحيوانات، أصبحت هذه الحيوانات خاملة وتوقفت عن الانضمام إلى المجموعة بشكل مقصود، منتظرةََ قدوم الحيوانات الأخرى إليها. لكن ما حدث بعد ذلك كان لافتًا للنظر: بقية أفراد المجموعة التي لم تُعطل وظيفة هذه المنطقة الدماغية فيها قد تكيفت غريزيًا بزيادة نشاطها بشكل تلقائي، معوضةََ ذلك الخمول في الحيوانات الأخرى بدقة متناهية بحيث بقي إجمالي وقت التجمع ثابتًا، وظلت درجة حرارة أجسام جميع الحيوانات مستقرة، ما حقق التوازن اللازم لبقاء المجموعة دافئة وممارسة وظائفها بشكل طبيعي. لم يقم أي حيوان منها بدور القائد لتوجيه هذا السلوك بنفسه؛ بل قامت المجموعة بتصحيح نفسها ذاتيًا.
كما وجدت الدراسة أن الحيوانات تتجمع بشكل أكثر في مجموعات أكبر، مما يشير إلى نوع من السلوك الجماعي الذي لا يبرز إلا عندما يتواجد عدد كافٍ من الأفراد معًا. وأن المجموعات الأكبر حجمًا تُطور بشكل طبيعي سلوكيات جماعية أقوى تُساعد الجميع على البقاء.
ما الخطوة التالية؟
يسعى الباحثون الآن إلى فهم كيف يوازن الدماغ بين الاحتياجات الشخصية (الإشارة الداخلية، مثل، "الشعور بالبرد") وبين المعلومات الاجتماعية (الإشارة الاجتماعية، مثل، "زميلي في المجموعة خامل لا يتحرك")، وكيف تندمج هاتان الإشارتان لاتخاذ قرار واحد بشأن ما يجب فعله. كما تدرس المجموعة البحثية كيف تتفاعل قشرة الفص ما قبل الجبهي مع منطقة ما تحت المهاد، وهي مركز تنظيم حرارة الدماغ، لتنسيق استجابات البقاء الجسدية للفرد مع السلوك الاجتماعي للجماعة.
"تُثبت هذه الدراسة أن الدماغ لا يساعد الأفراد على البقاء على قيد الحياة فحسب، بل يساعد المجموعة أيضاً على تنسيق الاستجابات الجماعية للمجموعة يسمح لها بالتصرف بطريقة موحدة لمواجهة التحديات معاً،" هذا ما قاله ويزهي هونغ Weizhe Hong، المؤلف الرئيس للدراسة وأستاذ في قسمي علم الأحياء العصبية والكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.
"معرفة كيف تفكير المجموعات وتتصرف بصفتها كيانََا موحدََا يُعدّ من أكثر المجالات إثارة للاهتمام في علم الأعصاب اليوم."
الهوامش
1- https://www.nature.com/articles/s41593-026-02224-0
المصدر الرئيس
https://www.uclahealth.org/news/release/study-mice-reveals-how-individual-brain-activity-drives

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق