السبت، 18 أبريل 2026

بفضل تقدم علم أعصاب نمو الدماغ تبدلت أساليب التربية وأصبحت أكثر فعالية ومواكبةََ لازدياد المعرفة بمدى نضج دماغ الطفل ونموه العاطفي وقدرته على تنظيم مشاعره

 

بقلم نانسي ويڤر، برفسور علم السلوك، جامعة سانت لويس، سانت لويس، ميزوري

 

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

 

المقالة رقم س لسنة 2026

 

Parenting strategies are shifting as neuroscience brings the developing brain into clearer focus

 

 

August 21, 2025

 


أخبرتني صديقة لي مؤخرًا بشكل ارتجالي: "من السهل جدًا حمل ابنتي على أن تتصرف تصرفََا جيدََا بعد عيد ميلادها - فهناك الكثير من الألعاب الجديدة التي يمكنني سحبها منها لو أساءت التصرف!" 

مع أن هذه الحيلة التربوية الفعّالة تبدو   وسيلة جذابة وسهلة وفعالة للتحكم في سلوك الطفل.، إلا أن الحقيقة هي أن هناك جانبًا سلبيًا كبيرًا للتربية القائمة على العقاب، بحسب نتائج دراسات حديثة.

على مدى العقدين الماضيين تقريبًا، اكتشف باحثون المزيد عن علم أعصاب نمو الدماغ (1). وقد أدى هذا الاستكشاف لعلم الأحياء العصبي إلى ظهور أنواع جديدة من علاجات الصدمات النفسية (2)، وفهم أعمق للجهاز العصبي (3)، وتقدير لمدى تفاعل العوامل البيئية والجينية (4) لتشكيل سلوك الطفل. أثبت التقدم في علم الأعصاب وجود جوانب سلبية معتبرة لأساليب التربية القاسية أو القائمة على العقاب، حيث أن سلوك الطفل يتشكل عبر مزيج معقد من عوامل نمو الدماغ والبيئة والجينات، وأن أساليب التربية القاسية قد تؤثر سلبًا في الجهاز العصبي والنمو الانفعالي (العاطفي) للطفل. بعبارة أخرى، ما يبدو حلاً سريعًا للتحكم في سلوك الطفل قد يمثل عائقََا لنمو الطفل السليم في الأمد الطويل.

بفضل تطور الدراسات العلمية التي تناولت نمو الطفل وازدياد فعاليتها في تطبيقاتها العملية. باتت تقدم نصائح عملية قائمة على الأدلة العملية، قابلة للتطبيق في الحياة الواقعية، لا سيما في مجال التربية والتعليم، 

فقد بينت نتائج هذه الدراسات أن بعض الأساليب التقليدية المستندة إلى أفكار قديمة وغير دقيقة أن العديد من أساليب التربية والتعليم التقليدية، القائمة على نماذج سلوكية عفا عليها الزمن وغير فعالة في التحكم في السلوك، أنها ليست من أفضل الممارسات التربوية، خاصةً مع الأطفال الأكثر هشاشة [أي الأطفال الأكثر عرضة للأذى أو ضعف النمو بسبب عوامل الفقر، أو الإهمال، أو سوء المعاملة، أو الإعاقة، أو عدم استقرار الأسرة، أو نقص الرعاية والدعم المناسبين]. ونتيجةً لذلك، يُنصح أولياء الأمور ومقدمو الرعاية بتحديث أساليبهم واستخدام استراتيجيات تستند إلى نتائج الدراسات الحديثة لدعم النمو السليم لأطفالهم بشكل أفضل.

لماذا تفشل الأساليب التربوية التقليدية؟

لم أصل إلى هذا الرأي بسهولة. فأنا باحث في علم سلوك وبرفسور في الصحة العامة (5)، حاصلة على شهادات في الرياضيات والإحصاء الحيوي. عندما كان أطفالي صغارًا، قرأت جميع كتب التربية وطبقت أساليب أكاديمية نوعًا ما في تربيتي لهم. حرصي الصارم على العمل بالتوصيات التقليدية لمؤلفي كتب التربية وأطباء الأطفال المتعلقة بالتربية: حيث اعتاد هولاء على إرسال أطفالهم بانتظام إلى غرفهم عقابََا لهم على سوء تصرفهم حتى يتمكنوا من "إعادة التفكير في تصرفاتهم السيئة." وكان هؤلاء مصرين بشدة على تطبيق قوانين العقوبات بحق أطفالهم دون تراجع، حتى لو قاوم الأطفال هذا الإجراء أو تسبب ذلك في توترهم وتضايقهم. لم أدرك عواقب أسلوبي في تأديب أطفالي إلا بعد أن بلغوا سنّ المرحلة الإعدادية والثانوية.

لطالما تبنى أولياء الأمور والمعلمون مبادئ مستقاة من تجارب الباحث بي. إف. سكينر (B.F. Skinner(6)، باحث علم النفس السلوكي الذي درس كيف يمكن للمكافآت والعقوبات (للعصا والجزرة) أن تغير سلوك الفئران، ما أدى إلى ظهور استراتيجيات الترغيب والترهيب الكلاسيكية (7). ببساطة، الفئران التي تصرفت بالطريقة التي أرادها الباحثون - بالضغط على رافعة - أُعطيت مكافأة، والفئران التي لم تقم بذلك، صعقت بصدمة كهربية خفيفة.

شكّلت هذه التجارب التي أُجريت على الفئران في منتصف القرن العشرين مقاربة تربوية انتشرت في الثقافة الأمريكية وسرعان ما أصبحت الكثير من أساليب التربية الشائعة، مثل مكافأة السلوك الجيد ومعاقبة السلوك السيئ، من المسلّمات وقبلها الناس باعتبارها صحيحة لا شك فيها (8). تعلّمت أجيال من أولياء الأمور (وخاصة الأمهات) استخدام المكافآت، مثل نظام الملصقات [يحصل الطفل على ملصق في كل مرة يُظهر فيها سلوكًا جيدًا، وبعد جمع عدد معين منها، يحصل عادةً على مكافأة بسيطة، مثل لعبة أو حلوى أو امتياز خاص] أو هدايا بسيطة أو ألعاب، أو سماع قصة إضافية قبل النوم، لتعزيز السلوكيات التي يرغب أولياء الأمور في ملاحظتها فيهم بكثرة، واستخدام أساليب التعزيز السلبي، مثل العزل المؤقت وحرمان الطفل من الامتيازات، بغرض الحدّ من السلوكيات غير المرغوب فيها.

لكن مع بداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ الكثير من المؤلفين البارزين في وضع نظريات تُشير إلى أن هذه الاستراتيجيات لم تكن غير فعّالة فحسب، بل قد تكون ضارة أيضًا.

علم أعصاب سلوك الطفل

لدينا جميعًا استجابة فطرية في الجهاز العصبي تُهيّئنا لـ"الكر أو الفر" عندما نشعر بأن سلامتنا مُهدّدة. عندما نستشعر الخطر لأي سبب كان، تتسارع نبضات القلب، وتتعرّق راحتا اليدين، ويقلّ تركيزنا. في هذه الحالات، يتوقف عمل قشرة الفص ما قبل الجبهي - منطقة الدماغ المسؤولة عن اتخاذ القرارات العقلانية والتفكير المنطقي - بينما يستعد الجسم لصدّ التهديد. لا نستطيع التفكير بوضوح أكثر باستخدام قشرة الفص ما قبل الجبهي إلا بعد أن تهدأ استجابة الجسم إلى التهديد. وهذا ينطبق بشكل خاص على الأطفال.  فعندما يشعر الأطفال بالتهديد أو التوتر (على سبيل المثال، في حالة العقاب)، يدخل دماغهم في حالة "الكر أو الفر،" مما يُعطّل المنطقة الدماغية المسؤولة عن التفكير والتعلم. وهذا يعني أنهم بدل آن يتعلم الطفل سبب خطأ سلوكه أو كيف يحسنه. يكتفي بالتفاعل مع الوضع انفعاليََا (مثل الشعور بالخوف أو الانزعاج أو محاولة تجنب العقاب)، فلا يتعلم الطفل في الواقع سبب خطأ سلوكه أو أساليب تحسينه، ولذلك يكتفي بالتفاعل مع الوضع انفعاليََا، فلا يحدث أي تعلم حقيقي أو معرفة سبب تورطه في سلوكيات خاطئة، ما من شأنه أن يجعل أساليب التربية التقليدية أقل فعالية، خاصةً مع النشء الصغير. يعد فهم الطفل لأفكاره ومشاعره وبالتالي سلوكياته وتصرفاته أمرََا بالغ الأهمية. فعلى سبيل المثال، لا يكتفي الطفل الواعي بمعرفة أنه وقع في مشكلة، بل يفهم أيضاً سبب خطأ سلوكه، وما ينبغي عليه فعله لتصحيح سلوكه الخاطيء في المستقبل.

بعكس أولياء الأمور والمعلمون الذين عادةً ما يكتسبون قدرةً على تنظيم حالاتهم العصبية، يمتلك الطفل جهازًا عصبيًا غير مكتمل النمو وقشرة أمام جبهية دماغية ما زالت غير متطورة. ولهذ غالبًا ما يسيء الأطفال التصرف، ليس لجهلهم بالصواب والخطأ، بل لأن أدمغتهم لا تزال في طور النمو، ولا يستطيعون بعدُ السيطرة على انفعالاتهم واندفاعاتهم القوية. قد يصفع الطفل صديقه بلعبة الشاحنة لأنه غير قادر على السيطرة على مشاعر خوفه من استبعاده من لعبة كرة القدم. من المحتمل أنه يدرك خطأه، لكن في مواجهة هذا التهديد، يستجيب دماغه المسؤول عن البقاء على قيد الحياة برد فعل "الكر (المواجهة)"، ويتوقف التفكير المنطقي لأن قشرة الفص أمام جبهي تستغرق وقتًا للعودة إلى وضعها الطبيعي (9). ولأنه لا يستطيع التعبير عن احتياجاته لفظيًا أو لا يستطيع شرح ما يشعر به أو يحتاج إليه بوضوح، ينبغي لأولياء أمره الانتباه إلى تصرفاته وسلوكه لمعرفة تلك الاحتياجات - على سبيل المثال، قد يعني تصرف الطفل السيء أنه في الواقع يشعر بالضيق أو الخوف أو الإقصاء. 

باستطاعة ولي الأمر الهادئ مساعدة الطفل على الهدوء، وذلك بالبقاء هادئاً وصبوراً ولطيفاً في تصرفاته وكلامه - باستخدام نبرة صوت هادئة، وعدم الغضب أو الانفعال، ومنح شعور بالأمان والطمأنينة حتى يتمكن الطفل من الاسترخاء والتفاعل الايجابي مع حالة الهدوء هذه فيخف توتره ويشعر بالأمان مجدداً، ثم يستوعب ما تعلمه (10). محاولات تغيير سلوك الطفل في لحظات التوتر، بما في ذلك العقاب والعزل من شأنها أن تُفوّت فرصة تطوير الطفل مهارات التنظيم الانفعالي، وغالبًا ما تُطيل فترة شعوره بالضيق.

تعتمد النماذج السلوكية على فكرة أن السلوك يتشكل أساسًا من خلال المكافآت والعقوبات. ووفقًا لهذا المنظور، يتعلم الناس (بمن فيهم الأطفال) تكرار السلوكيات التي يُكافأون عليها ويتجنبون السلوكيات التي يُعاقبون عليها، دون التركيز كثيرًا على مشاعرهم أو أفكارهم أو تجاربهم الداخلية. هذه النماذج السلوكية لا تجدي نفعاً مع الأطفال. الفهم العميق لأدمغة الأطفال النامية يبين أن معاقبة الطفل على نوبة غضب أو على "سوء سلوك" بدر منه بانتزاعه لعبة من زميل له في الصف المدرسي أنه لا يعني أكثر من نصيحة مصاب بسكتة قلبية بتناول كميات أقل من السكر (استعارة تعني ان معاقبة الطفل في هذه الحالة لا تجدي نفعََا). فمحاولة تأديب الطفل أثناء حالة اضطراب انفعالي لا تُعلّمه الكثير، بل قد تُفاقم الحالة، لأنه ليس في حالة تسمح له باستيعاب ما يُقال له.

:تُعدُّ التربية القائمة على علم الأعصاب أكثر فعالية من التوبيخ التقليدي، فهي تُعزز الثقة والتواصل والتحكم العاطفي..

الفضول مفتاح الرابطة العاطفية بين المربي والطفل 

وهذا يعني أنه عندما يكون الآباء أو مقدمو الرعاية مهتمين حقًا بفهم مشاعر الطفل وأفكاره وأسباب سلوكه (بدلاً من الحكم عليه أو معاقبته على الفور)، فإن ذلك يساعد في بناء رابطة عاطفية أقوى بينهما.

لقد قطع الباحثون وخبراء التربية شوطًا كبيرًا في فهم كيف يُمكن لعلم الدماغ أن يكون مفيدََا في تربية الأطفال.

مع أن الباحثين قد لا يتفقون جميعًا على أسلوب التربية الأمثل، إلا أن هناك اتفاقًا عامًا على أن إظهار الفضول تجاه مشاعر الأطفال وسلوكياتهم وردود أفعالهم وخياراتهم قد يُساعد في توجيه مقاربة الوالدين خلال الأوقات العصيبة. وهذا يعني أنه حين ينزعج الطفل أو يتصرف تصرفََا سيئََا، ينبغي للوالدين محاولة فهم مشاعره وسبب تصرفه بهذا الأسلوب، لا الانفعال والرد الآنيّ بالغضب أو العقاب. على سبيل المثال، سؤال الطفل بـ "هل تشعر بالإقصاء؟" أو "ماذا حدث؟" يساعد الوالدين على الاستجابة بطريقة أكثر هدوءًا ونفعََا والاستجابة بتأنٍّ في لحظات التوتر، كما يساعدهم على دعم التعلم الحقيقي والسلوك الأفضل على الأمد البعيد، مما يؤدي إلى تعامل أفضل مع الطفل في الأوقات العصيبة.

فهم سبب عدم إكمال الطفل لواجب مادة الرياضيات، أو سبب قيام طفل صغير برميه حفنة رمل على ابن عمه، يُمكن أن يدعم التعلم الحقيقي (11). فمساعدة الطفل على فهم وتحسين سلوكه بشكل حقيقي، وليس مجرد تحصيل امتثال (طاعة) الطفل المؤقت للأوامر. "التعلم الحقيقي" يتحصل بعد أن يفهم الطفل سبب الخطأ الذي ارتكبه، وكيف يصحح خطأه ويتصرف في المستقبل، فيصبح التغيير دائمًا، لا مجرد تغيير سلوك مؤقت لتجنب العقاب.

التناغم مع أطفالنا من خلال فهم استجابات جهازهم العصبي يُساعدهم على الشعور بالأمان، مما يُتيح لهم استيعاب ملاحظاتنا على تصرفاتهم. فالطفل الذي يشعر بهذا النوع من الترابط العاطفي وينمي هذه المهارات يصبح أقل احتمالََا لرمي طفلََا آخر بأشياء.

على سبيل المثال، عندما يُلحُّ طفلك عليك لشراء الحلوى وأنت واقف في صف دفع ثمن المبيعات في الدكان، فبدلاً من أن تحرمه من صحبته في نزهة ما بعد الظهر إلى الحديقة، جرّب ما يلي:

• حافظ على هدوئك. خذ نفسًا عميقًا وتوقف للحظة، فهذا يُرسل إشارة إلى جهازك العصبي للهدوء، مما يُتيح لك التناغم مع طفلك المُتذمّر.

• البقاء قريبًا من طفلك يُشعره بالدعم الذي يحتاجه لتجاوز مشاعره الصعبة. تفهّم تجربة الطفل يُساعده كثيرًا على استعادة هدوئه.

• ضع حدود. عدم الاستجابة لطلبه بشراء الحلوى، تُساعد طفلك على التدرب على كيف يتعامل مع انفعالات الغضب وخيبة الأمل - ما يُسمى بـ "تحمّل الضغط" - بدعمك له.

• فكّر في الوضع. بعد أن تهدأ أنت وطفلك، يُمكنكما التحدث عن المشكلة وملاحظة الظروف المحيطة بها. هل كان طفلك جائعًا أو متعبًا حينها، أو ربما منزعجًا من شيء ما حدث خلال ذلك اليوم؟ يساعد هذا الأسلوب الطفل على تطوير قدرته على التحكم في مشاعره والتعامل تدريجيََا مع الإحباط بشكل أفضل، كما يعزز علاقته مع والديه.

التربية التي تراعي نمو دماغ الطفل هي أكثر فعالية في التأثير في سلوكه، وتمهد الطريق لنموه العاطفي، وتقوي العلاقة بينه وبين والديه، مما يوفر له حماية أفضل. وهذا بالتأكيد أفضل من حرمانه من هدايا عيد ميلاده.

 

الهوامش

1- https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/icd.688

 

2- https://eric.ed.gov/?id=EJ869926

 

3- https://publications.aap.org/pediatricsinreview/article/26/6/204/75960/Back-to-BasicsAttachment-Affect-Regulation-and-the

 

4- https://drgabormate.com/book/the-myth-of-normal/

 

5- https://scholar.google.com/scholar?hl=en&as_sdt=0,26&q=Nancy+L.+Weaver+PhD,+MPH&btnG=&oq=nan

 

6- https://psychology.fas.harvard.edu/people/b-f-skinner

 

7- https://www.annualreviews.org/content/journals/10.1146/annurev.psych.54.101601.145124

 

8- https://www.researchpress.com/product/living-children/?utm_source=chatgpt.com

 

9- https://www.penguinrandomhouse.com/books/200276/the-whole-brain-child-by-daniel-j-siegel-md-and-tina-payne-bryson-phd/#

 

10- https://www.gottman.com/product/raising-an-emotionally-intelligent-child-book/

 

11- https://monadelahooke.com/beyond-behaviors/

 

 

 

المصدر الرئيس

https://theconversation.com/parenting-strategiesي-are-shifting-as-neuroscience-brings-the-developing-brain-into-clearer-focus-254975

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق