الأربعاء، 20 مايو 2026

خمس طرق لتقوية الذاكرة تحتاجها قبل الامتحان


بقلم إلڤا أرولچيلفان، محاضر في علم النفس وباحث دكتوراه في علم النفس وعلم الأعصاب، كلية ترينيتي في دبلن

 

المترجم; عدنان أحمد الحاجي  

 


المقالة رقم 49 لسنة 2026

 

Five tips to make your memory work more effectively

 

April 10, 2026






بصفتي باحثًا أدرس كيف يمكن لتحفيز الدماغ كهربائيََا أن يحسن قدرات الذاكرة، كثيرًا ما يسألني الناس عن كيفية عمل الذاكرة، وكيف يمكننا استخدامها بأكثر فعالية. ولحسن الحظ، فقد قدمت لنا عقود من الأبحاث إجابات واضحة على كلا السؤالين.

تعمل الذاكرة  (1) أساسًا على ثلاث مراحل، تساهم فيها مناطق دماغية مختلفة (2). تسجل الذاكرة الحسية (3)، التي لا تدوم إلا أجزاء من الثانية، معلومات أولية آتية من حواسنا الخمس - ما نراه أو نسمعه أو نشمه أو نتذوقه أو نلمسه. تُعالج هذه المعلومات أولًا في القشرة الحسية الأولية، وهي المناطق الأساسية في قشرة الدماغ المسؤولة عن استقبال ومعالجة البيانات والمعلومات الواردة من الحواس الخمس. هناك خمس أنواع قشرة أولية (4): القشرة البصرية، والقشرة السمعية والقشرة الشمية والقشرة الذوقية والقشرة الحسية).

الذاكرة العاملة (5) (قصيرة الأمد) تحتفظ بكمية بسيطة من المعلومات وتعالجها في أن واحد لفترة ثوانٍ معدودة أو أكثر. تخيّل أنها بمثابة مساحة عمل ذهنية في الدماغ: وهي عبارة عن نظام يمكّن المرء من إجراء عمليات حسابية ذهنية، واتباع التعليمات والإرشادات، وفهم اللغة والنصوص المقروءة. لذا، فهي تعتمد بشكل أساس على قشرة الفص الجبهي - الجزء الأمامي من اادماغ المسؤول عن الانتباه واتخاذ القرارات والاستدلال.

أما الذاكرة طويلة الأمد (6)، فتحتفظ بالمعلومات بشكل دائم، على فترة تمتد من دقائق إلى مدى الحياة. وتشمل هذه الذاكرة الذكريات "الصريحة" (تذكُّر الحقائق والأحداث الحياتية) والذكريات "الضمنية"  (7) (المهارات والعادات التلقائية غير المقصودة والاقترانات الانفعالية - وهي التجارب أو الأحداث المقترنة بانفعالات معينة، مثل الفرح أو الحزن أو الرعب، مثلََا، لو تعرض المرء لحدث مفرح في مكان ما في السابق ومر بذلك المكان في المستقبل فمن شأنه ان يتذكر ذلك الحدث، وهكذا في الأحداث المخيفة).

فيما يخص الذاكرة طويلة الأمد، تساهم منطقة الحصين والفصوص الصدغية - في عمق الدماغ، حول جانبي الرأس بالقرب من الصدغين - بشكل كبير في الذكريات المتعلقة بالحقائق أو الأحداث الحياتية (الذاكرة الصريحة)، بينما تعالج اللوزة الدماغية (القريبة من الحصين) والمخيخ (في الجانب الخلفي من الدماغ) والعُقد القاعدية (في عمق الدماغ) الذكريات الانفعالية [وهي تذكر الأحداث المرتبطة بانفعالات معينة، مثل أحداث السيرة الذاتية (8)] أو الإجرائية [فرع من الذاكرة الضمنية وتتعلق بمعرفة كيف تعمل الأشياء أو بالمهارات الحركية التلقائية (التي تجري في اللاوعي)، مثل قيادة المركبات والدراجات والسباحة وكتابة النصوص، وغيرها بشكل تلقائي دون وعي (9)].

غالبًا ما تعمل الذاكرة العاملة بمثابة بوابة واعية للذاكرة طويلة الأمد، لكنها محدودة  (10). وهذا يعني أن الذاكرة العاملة هي عادةً المرحلة التي تمر بها المعلومات قبل أن تصبح ذاكرة طويلة أمد. عندما يركّز المرء انتباه بوعي على شيء ما ويفكّر فيه بجد لفترة وجيزة، تزداد فرصة الاحتفاظ به بشكل دائم. على سبيل المثال، لو أخبره صديقه برقم هاتفه، فإنه يبقى أولًا في ذاكرته العاملة لبضع ثوانٍ. فإذا كرّره عليه، أو ركّز هو انتباهه عليه، أو ربطه بشيء مهم بالنسبة له، فقد ينقله دماغه إلى الذاكرة طويلة الأمد ليتمكن من تذكّره لاحقًا. وبهذه الطريقة، تعمل الذاكرة العاملة بمثابة"بوابة" للاحتفاظ بها في الذاكرة الطويلة الأمد.

في عام 1956، طرح عالم النفس الأمريكي جورج ميلر مبدأ أننا لا نستطيع الاحتفاظ إلا بحوالي سبع "وحدات" من المعلومات في ذاكرتنا العاملة في وقت واحد (11)، وذلك لأن سعة الذاكرة العاملة محدودة. [ربما كان ذلك سببَا للاقتصار على سبعة أرقام في نظام التلفونات القديمة] .

وبينما ما يزال عدد الوحدات الدقيق محل نقاش بين الباحثين المعاصرين حتى اليوم، يبقى المبدأ قائمًا: الذاكرة العاملة محدودة. وهذا القيد يؤثر في مدى فعالية تعلمنا وتذكرنا للأشياء. فإذا وردت كمية كبيرة من المعلومات دفعة واحدة، يصبح من الصعب على الدماغ تخزينها بفعالية في الذاكرة طويلة الأمد، لكن بالإمكان أيضًا تحسين أداء الذاكرة. هنا خمس خطوات سهلة لتحسين كلٍ من الذاكرة العاملة والذاكرة طويلة الأمد.

1. ضع هاتفك جانبًا

تحد الهواتف الذكية من سعة ذاكرتك العاملة. حتى مجرد وجود الهاتف بالقرب منك - حتى لو كان مكبوبََا على وجهه أو على وضعية الصامت - قد يضعف من أدائك في مهام الذاكرة والتفكير والتركيز واستخدام الذاكرة العاملة بكفاءة.

والسبب هو أن جانبََا من دماغك يستمر في مراقبته لا شعوريََا منتظرّا الإشعارات أو الرسائل. حتى مقاومة الرغبة في التحقق من هذه الإشعارات أو الرسائل التي يستقبلها الجوال تستهلك الموارد الذهنية التي من المفترض أن تكون متاحة للمهام التي تتطلب التفكير أو الاستدلال أو تذكر المعلومات. ولهذا يُطلق الباحثون أحيانًا على الهواتف الذكية اسم أجهزة "استنزاف الدماغ. (12)" الحل بسيط: ضع هاتفك في غرفة أخرى عندما تحتاج إلى التركيز. إبعاده عن النظر يُحرر طاقتك الذهنية بالفعل ويساعد على التركيز بشكل أفضل.

2. أوقف دوامة أفكارك حتى لا يتشتت ذهنك

قد يستنزف التوتر والقلق مساحة ذهنية قيّمة ويشتت الانتباه والتركيز ويحد من القدرة على التفكير في لحظة معينة ويضعف الذاكرة العاملة. على سبيل المثال، قد يشغل التوتر والقلق والضوضاء أو إشعارات الهاتف الذكي المتواصلة حيزًا ذهنيًا (13)، ما يجعله يضيق بالأفكار المتسارعة، حيث يشعر المرء حينها بالتشتت الذهني ويضعف أداءه الذهني   والتركيز. أما حين يكون ذهنه هادئًا وغير مثقل بالأفكار المختلفة، تصبح هذه المساحة الذهنية متوفرة للتركيز والتعلم والقدرة على حل المشكلات وتذكر الأشياء واتخاذ القرارات.

قد يساعد تمرين الاسترخاء (14) وممارسات رياضة اليقظة الذهنية في تخفيف التوتر وتصفية الذهن في تحسين كلاً من الذاكرة العاملة والأداء الأكاديمي. وإذا بدت ممارسة رياضة التأمل صعبة، ينبغي أن يُمارس تمرين التنفس، مثل "التنهد الدوري (15):" استنشق بعمق من الأنف (الشهيق الأول)، ثم خذ نفساً ثانياً أقصر (الشهيق الثاني)، ثم أخرج ذلك ببطء عن طريق الفم (الزفير). تكرار هذا التمرين لمدة خمس دقائق قد يُهدئ الجهاز العصبي ويعيد ضبطه ويُهيئ ظروفاً أفضل للتركيز والتعلم.

3. استخدم أسلوب التجزئة

الكل يستطيع توسيع ذاكرتهم العاملة باستخدام طريقة التجزئة (16)، أي تقسيم أو توزيع المعلومات الطويلة في وحدات ذات معنى. في الواقع، ربما تستخدم هذه الطريقة بالفعل لحفظ بعض أرقام الهواتف أو قوائم الكلمات، وذلك بتقسيم التسلسلات الطويلة إلى وحدات قصيرة يسهل على الدماغ تذكرها واسترجاعها، باعتبارها مجموعات قصيرة، بأكثر كفاءة.

مقطع فيديو: طريقة التجزئة chunking

https://youtu.be/KhZrQQeZ0WA?si=oDWlptaPVtHQtLss

تنطبق نفس المبادئ في المحاضرات أيضّا، لمساعدة المستمعين على تذكر النقاط الرئيسة بأكثر فعالية. تقسيم المعلومات (تجزئتها) إلى مجموعات ينطوي، مثلََا، على تقسيم عدة دراسات غير مترابطة إلى ثلاثة محاور أو أربعة ذات صلة ببعضها، لكل منها عنوان قصير وفكرة رئيسة واحدة. هذا يجعل المعلومات تبدو أكثر تنظيمًا وأسهل على المستمعين استيعابََا.

كرر هذا الأسلوب في كل شريحة من شرائح العرض: تناول فكرة واحدة، وبعض التفاصيل الداعمة، ثم انتقل إلى الفكرة التالية. من خلال تنظيم المعلومات في أنماط ذات معنى، هذا من شأنه أن يقلل الجهد الذهني ويجعل هذه المعلومات أكثر رسوخًا في ذاكرة المستمع.

4. درب نفسك على استرجاع المعلومات من ذاكرتك

في القرن التاسع عشر، أثبت عالم النفس الألماني هيرمان إبينغهاوس Hermann Ebbinghaus مدى سرعة نسياننا للمعلومات بعد اكتسابها. ففي غضون 30 دقيقة تقريبًا، نفقد ما يقارب من نصف ما كسبناه، ويتلاشى جزء كبير منه خلال اليوم التالي. أطلق إبينغهاوس على هذه الظاهرة اسم "منحنى النسيان (17. 18)". يوضح الخط الأزرق الفاتح في الرسم البياني أدناه هذه الظاهرة.






منحنى النسيان - وكيفية تجاوزه  (19)

 

مع ذلك، توجد طريقة لضمان استيعاب الكثير من المعلومات عند محاولة تعلم كمية كبيرة منها في فترة زمنية قصيرة: وهي ممارسة الاسترجاع.

عند التحضير لإلقاء محاضرة أو مراجعة المادة الدراسية لامتحان ما، بدلًا من مجرد إعادة قراءة ملاحظاتك، استمر في اختبار مدى تذكرك للمعلومات. استخدم بطاقات فلاش (السريعة)التعليمية flash cards، أو أجب عن الأسئلة التدريبية في أخر كل موضوع في الكتاب، أو حاول شرح المادة بصوت عالٍ دون استخدام الملاحظات المكتوبة.

تعمل الذاكرة بالربط بين المعلومات. ففي كل مرة تسترجع فيها المعلومات بنجاح، تربط المادة التي تعلمتها أو اكتسبتها بأشياء تساعد على تذكرها  (20)، مثل أسئلة أو مواقف أو أفكار جديدة، وأمثلة، وسياقات جديدة. يُسهم هذا في زيادة عدد المذكِّرات التي تساعد على التذكر، والتي تُسهّل الوصول إلى المعلومات، وتقوّي كل مسار من مسارات الذاكرة  (21)، حيث في كل مرة تُراجع فيها المعلومة يقوى المسار وتترسخ المعلومة أكثر في الذاكرة. في كثير من الأحيان، عندما "ننسى"، لا تختفي الذاكرة، بل نفتقر فقط إلى المذكِّر المناسب لاسترجاعها.

5. خذ قسطًا من الراحة بين جلسات مذاكرة الدروس  

تثبت الدراسات أن الذاكرة تكون أكثر فعالية عند توزيع جلسات مذاكرة (مراجعة) الدروس  (22) على فترات متباعدة، بدلًا من تكثيفها في جلسة مذاكرة واحدة ممتدة. إذا كنت تستعد للامتحان، فاحرص على تخصيص فترات راحة كافية ضمن جدول مراجعتك للمادة الدراسية. الخط الأزرق الداكن في الرسم البياني أعلاه يوضح كيف بإمكان توزيع جلسات المراجعة أن تساعد على تذكر معلومات أكثر تدريجيََا بمرور الوقت لو تم توزيع فترات الدراسة على أكثر من جلسة مراجعة يفصل بينها ساعات أو يوم أو أكثر، وذلك من خلال تعديل منحنى النسيان لإيبنغهاوس ليكون أقل حدة في الانحناء. فأخذ فترات راحة بين جلسات المذاكرة من شأنها ان تتيح للدماغ الوقت الكافي لمعالجة المعلومات وتقوية الذاكرة.

 

تنصح إحدى الدراسات بترك فواصل زمنية بين كل جلسة مراجعة تُعادل 10- 20% من المدة المتبقية على موعد الامتحان أو المحاضرة التي تنوي تقديمها  (23) لذا، إذا كان موعد الامتحان أو المحاضرة بعد خمسة أيام، وكنت تُراجع لساعات يوميًا، فبإمكانك أخذ استراحة تتراوح بين نصف يوم ويوم كامل بين الجلسات [هذه الفترة تقابل ما يتراوح بين 10- 20% من فترة الخمسة أيام المتبقية على الموعد]. بعبارة أخرى، لا تُرهق نفسك - فربما لن تحصل على النتائج المرجوة لو أرهقتها!

إذا لم تتذكر من هذا المقال الذي يتناول تحسين الذاكرة سوى شيء واحد، فليكن هذا الشيء الذاكرة: فالذاكرة لا تعتمد على الذكاء فقط، بل على استراتيجية مذاكرة فعالة أيضًا. تغييرات بسيطة في طريقة مراجعة الدروس (توزيع جلسات المذاكرة وأخذ فترات راحة بينها) من شأنه أن يحدث فرقًا حقيقيًا في مدى جودة تذكر المعلومات المهمة والمطلوبة، ومدة تذكرها.

 

 

الهوامش

 

1- https://theconversation.com/topics/memory-162

 

2+ https://www.frontiersin.org/journals/human-neuroscience/articles/10.3389/fnhum.2023.1217093/full

 

3- https://sites.socsci.uci.edu/~whipl/staff/sperling/PDFs/Sperling_PsychMonogr_1960.pdf

 

 

4- https://en.wikipedia.org/wiki/Primary_sensory_areas

 

5- https://pubmed-ncbi-nlm-nih-gov.translate.goog/1736359/

 

6- https://ar.wikipedia.org/wiki/ذاكرة_طويلة_الأمد

 

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/ذاكرة_صريحة

 

8- https://ar.wikipedia.org/wiki/الذاكرة_والعاطفة

 

9- https://ar.wikipedia.org/wiki/ذاكرة_إجرائية

 

 

10- https://www.nature.com/articles/nrn1201

 

 

11- https://psycnet.apa.org/record/1957-02914-001

 

12- https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/15213269.2023.2286647

 

13- https://psycnet.apa.org/buy/2007-06782-011

 

14- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1877042813013852

 

15- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2666379122004748?via=ihub

 

16- https://ar.wikipedia.org/wiki/تقسيم_(علم_النفس)

 

17- https://ar.wikipedia.org/wiki/منحنى_النسيان

 

18- https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4492928/

 

19- https://scholar.google.com/citations?user=5Bbkd2QAAAAJ&hl=en

 

20- https://psycnet.apa.org/record/1986-13672-001

 

21- https://elifesciences.org/articles/57023

 

22- https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1111/j.1467-8721.2007.00500.x

 

23- https://pdf.retrievalpractice.org/spacing/Carpenter_etal_2012_EDPR.pdf

 

المصدر الرئيس

https://theconversation.com/five-tips-to-make-your-memory-work-more-effectively-280327

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق