المترجم: عدنان أحمد الحاجي
المقالة رقم 67 لسنة 2026
خدعوك فقالوا:
*العادات تظهر بالتدرج.. بل هي أسرع*
المترجم: عدتان احمد الحاجي
المقالة رقم 67 لسنة 2026
https://sobranews.com/sobra/401350
Habits form far faster than science previously thought, research shows
June 3, 2026
دراسة جديدة (1) تطعن في الاعتقاد السائد بأن العادات تتشكل تدريجيًا وببطء. فقد وجدت هذه الدراسة أن الانتقال من سلوك موجه نحو هدف ما إلى سلوك اعتيادي قد يحدث فجأة أو مباشرة، وليس تدريجيًا كما كان يُعتقد سابقََا أن العادات تتشكل تدريجيًا بعد فترات طويلة من السلوك المتكرر.
فالسلوك الموجه نحو هدف ما يحصل عندما يكون التصرف عن قصد لتحقيق نتيجة معينة او للحصول على شيء معين. مثلََا: شخص يذهب إلى المطبخ لأنه جائع. بعد أن يأكل ويشبع، يتوقف عن البحث عن الطعام. هذا يعني أن سلوكه كان مرتبطًا بهدف معين (إزالة الجوع). هنا السلوك ناتج عن هدف واعٍ، وليس عن مجرد عادة تلقائية. فإذا كان يفكر في النتيجة قبل أن يتصرف، فهذا سلوك موجَّه نحو هدف ما. بينما السلوك الاعتيادي هو خين يكون التصرف تلقائيًا ومن دون تفكير.
ومن الأمثلة على التصرفات التلقائية التي جاءت بحكم العادة ما يلي: عندما نسمع صوت إشعار الهاتف بوصول رسالة نلتقطه فورًا. أو بحكم العادة، تناولنا وجبة خفيفة قبل المغرب، حتى لو لم نكن جائعين. هنا لا نفكر في الهدف أو الحاجة، بل نتصرف بحكم العادة.
فهذه سلوكيات غالبًا ما تبدأ باعتبارها تصرفات واعية مقصودة، لكن مع التكرار تتحول إلى أفعال تلقائية لا تحتاج إلى تفكير.
وتفيد الدراسة الجديدة من جامعة جونز هوبكنز (1) بأن النقلة قد لا تحدث دائمًا ببطء، ونتائج الدراسة تثبت أن التحول إلى السلوك الاعتيادي يحدث بوتيرة أسرع مما كان يُعتقد سابقًا. وتشير الدراسة إلى أن منطقة معينة في الدماغ قد تلعب دورًا أساسيًا في هذا التحول أو الانتقال المفاجيء من الفعل الواعي أو المقصود إلى تصرف غير واعٍ (عادة) وهذا ما يحاول فريق من جامعة جونز هوبكنز اكتشافه، وإذا تأكد ذلك، فقد يساعد هذا الاكتشاف على إيجاد أساليب لتغيير العادات الراسخة، أو التخلص من العادات غير المرغوبة بعد فهم الآليات الدماغية التي تتحكم في تكوينها.
"منذ أكثر من مئة عام، كانت نظرية تكوِّن العادات تقوم على التعزيز التدريجي والتكرار مرات كثيرة، وبمرور الزمن يبدأ الدماغ تدريجيًا بإدراك أنه لم يعد بحاجة إلى التفكير في هذا الفعل، فيتوقف عن تخصيص نسبة كبيرة من الانتباه أو التفكير، ويصبح السلوك تلقائيًا، بحسبما قال كيشور كوتشيبوتلا Kishore Kuchibhotla، المؤلف الرئيس للدراسة والباحث في علم الأعصاب والمتخصص في دراسة التعلم عند البشر والحيوانات. بمعنى آخر، كلما تكرر الفعل، قلّت الحاجة الى التفكير الواعي فيه،" وأضاف كوتشيبوتلا: "لكن السبب وراء اعتقاد الباحثين السابق أن كون عملية تكوِّن العادات تدريجية يعود جزئيًا إلى طريقة دراسة الباحثين للعادات، وليس بالضرورة إلى طبيعة تكوّن العادات نفسها. وذلك لأنهم لاحظوا أن العادات تتكون ببطء لأن أدواتهم وتجاربهم كانت تراقب التغيرات على فترات طويلة، ما جعل العملية تبدو تدريجية. أما الدراسة الجديدة فتقترح أن التحول من السلوك الواعي المقصود إلى السلوك التلقائي (العادة) قد يحدث بشكل أسرع وأكثر تلقائية مما كان يُعتقد سابقًا، حتى لو لم تسبقه فترة من الممارسة والتكرار.
تستخدم الدراسات البحثية المكافآت غالبًا لتحفيز الحيوانات على تعلم مهمة من المهمات ومن ثم القيام بأدائها. بمجرد إتقانها المهمة، يمكن منحها حرية الوصول إلى المكافأة (طبعا ام أو ماء في هذه الحالة) حتى تشبع أو تروى. عند عودتها إلى المهمة من جديد، تتوقف الحيوانات المكلفة بمهمة ما عن أدائها، لأنها لم تعد تسعى وراء المكافأة. بمعنى أنها تقوم بالمهمة فقط من أجل المكافأة. وقد حصلت عليها، وليس لديها سبب أخر للاستمرار في أداء المهمة. وهذا يدل على أنها كانت تتصرف لتحقيق هدف محدد، وليس لأنها اعتادت على أداء هذا السلوك وأصبحت تؤديه تلقائيََا. في المقابل، الحيوانات المعتادة على المهمة تؤديها تلقائيًا، بغض النظر عن حاجتها إلى المكافأة.
تطلّبت هذه المقاربة التقليدية إجراء اختبارات في فترات زمنية محددة (إحداها في بداية عملية التعلّم والأخرى في نهايتها). لم يكن بالإمكان إجراء اختبارات "في الوقت الفعلي" حين يتحول فيه السلوك إلى عادة، ثمّ افترضوا أن التحول يحدث بصورة تدريجية وبطيئة، من دون امتلاكهم أي دليل مباشر يبين متى وقع هذا التغير بالضبط.
صمم كوتشيبوتلا وفريقه البحثي طريقة جديدة تحاكي دوافع الحياة اليومية. التي تجعل المرء يتصرف بتصرف ما في حياته اليومية لأنه يفضله أو يجده ممتعًا أو جذابًا، وليس فقط لأنه مضطر إلى ذلك. فالناس لا يشربون الماء لمجرد شعورهم بالعطش، بل قد يلجؤون إلى الماء الفوار أو مشروبهم المفضّل لأنه ببساطة أكثر جاذبية من الماء القراح.
قال كوتشيبوتلا: "لم نعتمد على دوافع أساسية بيولوجية ضرورية للحياة، مثل العطش لدفع المشاركين إلى شرب الماء، بل استخدمنا دافعًا آخر هو تفضيلهم لمذاق معين. بمعنى أن المشاركين كانوا يختارون المشروب لأنهم يحبون طعمه أو يجدونه أكثر جاذبية، وليس فقط لأنهم بحاجة بيولوجية إلى الماء. وقد استخدمنا هذا النوع من الدوافع لأنه أفضل ما يحاكي الدوافع اليومية التي يتخذها الناس في حياتهم اليومية، ما يجعل دراسة تكوّن العادات أكثر واقعية.
وفرت طريقة الاختبار الجديدة للفئران الماء الحامضي أثناء وجودها في أقفاصها بشكل دائم، مما سمح لها بالبقاء ريانة بالماء، حتى لو لم تستسغ طعم الماء. وفي الوقت نفسه، إذا استجابت الفئران لصوت معين، حصلت على الماء الذي تفضله.
ولأن الفئران لم تكن شديدة العطش، فإنها كانت أحيانًا تستجيب للصوت وأحيانًا لا تستجيب، وهذا دلّ على أن سلوكها في البداية كان موجَّهًا نحو هدف؛ أي أنها كانت تتصرف فقط عندما تريد الماء فعلًا. بعبارة أخرى، الفئران في البداية كانت تستجيب للصوت فقط عندما تكون راغبة فعلًا في الحصول على الماء المفضل، أي أن سلوكها كان قرارًا واعيًا مرتبطًا بهدف. لكن بعد فترة من التدريب، حدث تغير مفاجئ: بدأت تستجيب للصوت في كل مرة حتى حين لو لم تكن ترغب في الماء أو تحتاج إليه. وهذا يعني أن السلوك لم يعد ناتجًا عن الرغبة في الماء، بل أصبح ذلك عادة تلقائية؛ فعندما تسمع الصوت تستجيب له بشكل تلقائي دون أن تفكر فيما إذا كانت ترغب في الماء أم لم تكن ترغب. وهنا استنتج الباحثون أن السلوك تحوّل إلى عادة. والمثير للاهتمام أن هذا التحول لم يكن تدريجيًا، بل حدث فجأة (مباشرة)، كما لو أن شخصًا ضغط على مفتاح كهربائي فانتقل السلوك مباشرة من كونه قرارًا واعيًا إلى كونه عادة تلقائية.
«أكثر ما أثار دهشتنا هو أن شيئًا لم يتغير من جانبنا. بعبارة أخرى، لم يغير الباحثون شيئًا في التجربة، ومع ذلك، غيّرت الفئران طريقة تصرفها فجأة. ففي التجربة الأولى، كانت تتصرف بناءً على هدف ورغبة في الحصول على الماء، ثم في التجربة التالية مباشرة أصبحت تتصرف بطريقة اعتيادية تلقائية. هذا النوع من التحول السريع في السلوك نادر جدًا، ومن النادر رصد هذا النوع من إعادة التنظيم السلوكي السريع، حسبما قالت شارلين موور Sharlen Moore، الباحث الرئيس في قسم العلوم النفسية والدماغية بالجامعة وطالبة ما بعد الدكتورا.؛ لأن الباحثين كانوا يتوقعون عادة أن يحدث التغير بشكل تدريجي على مدى فترة أطول.
كشفت تسجيلات أخرى لأدمغة الفئران عن أمرٍ مثير للاهتمام: يبدو أن هناك منطقة معينة في الدماغ قد تكون مسؤولة عن هذا التحول المفاجئ. «حقيقة حدوث الانتقال بهذه السرعة توحي بوجود ألية تتحكم في هذا التحول. بمعنى آخر، قد تكون هناك منطقة في الدماغ تقرر متى يتحول الفعل من قرار واعٍ إلى عادة تلقائية، بحسب كوتشيبوتلا.
كما وجد الباحثون أن بعض الفئران لم تبقَ أسيرة للعادات بشكل دائم، بل عادت بعد فترة طويلة من السلوك الاعتيادي إلى سلوكها الموجه نحو تحقيق هدفها. أي أنها عادت تتخذ قراراتها بناءً على ما تريده فعلًا ولا تتصرف بتلقائية بحكم العادة.
تقول موور: "هذا يُثبت بوضوح مدى تأثير طريقة اجراء التجربة فيما لاحظناه من سلوك: فعندما توقفنا عن تحفيز الفئران تحفيزََا مفرطََا نحو الماء، بدأنا ملاحظة جوانب من سلوكها كانت خفية عنا في الدراسات السابقة."
يقول كوتشيبوتلا: "الكثير من العادات مفيدة لتوفير الجهد الذهني وتجعلنا نؤدي الأعمال المتكررة بتلقائية وبدون تفكير مستمر. لكن إذا كانت هناك آلية تتحكم في العادات، فقد يكون من الممكن تحويل العادات الضارة إلى سلوك موجَّه نحو الهدف، بحيث يستعيد الشخص القدرة على التفكير والاختيار بدل التصرف تلقائيًا. وهذا يعني أنتا لا نبقى أسراء عاداتنا السيئة، بل ربما يمكن تغييرها أو التخلص منها لو فهمنا كيف تعمل هذه المنطقة المتحكمة في الدماغ.
حصل فريق البحث على تمويل جديد من المعاهد الوطنية للصحة لدراسة طبيعة هذه المنطقة المتحكمة بشكل أعمق. والهدف هو فهم كيف يقرر الدماغ متى تتصرف الكائنات الحية تلقائيََا ومتى تتصرف بناءً على هدف ورغبة واعية.
الخلاصة
بحسب هذه الدراسة، لم يكتشف الباحثون عددًا ثابتًا من الأيام اللازمة لتكوين العادة. بل كانت النتيجة الرئيسية أن الانتقال إلى العادة لم يكن تدريجيًا بمرور الأيام، وإنما حدث فجأة عندما وقع التحول. ما وجدوه هو أن الفئران تعلمت المهمة خلال نحو 1500 محاولة، لكن التحول إلى السلوك الاعتيادي حدث بعد آلاف المحاولات وفي أوقات مختلفة لكل فأر. وعندما حدث التحول، كان سريعًا جدًا، إذ أظهر التحليل أن الانتقال استغرق تقريبًا 3 إلى 5 محاولات فقط، وكأن مفتاحًا قد تم وضعه على وضعية التشغيل. لذلك فإن الدراسة لا تقول إن العادة تتكون في 21 يومًا أو 66 يومًا أو أي عدد محدد من الأيام. بل تقول إن العادة قد تبقى غير ظاهرة لفترة طويلة، ثم تظهر بشكل مفاجئ عندما ينتقل الدماغ من نمط السلوك الموجَّه نحو هدف إلى نمط السلوك الاعتيادي (العادة).
الهوامش
1- https://www.nature.com/articles/s41467-026-71048-0
المصدر الرئيس
https://hub.jhu.edu/2026/06/03/habits-form-faster-than-previously-thought/

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق