الاثنين، 28 سبتمبر 2026

مع التقدم في السن تتغير القدرات المعرفية وتبرز الحكمة

المترجم: عدنان أحمد الحاجي


المقالة رقم س لسنة 2026


The Aging Brain Is Not Declining. It’s Adapting

 

September 17, 2026







غالبًا ما يُنظر إلى الدماغ مع التقدم في السن من زاوية التدهور الادراكي (1)، ويُنظر إلى كبار السن على أنهم يحاولون التعويض عن تراجع الذاكرة. لكن دراسة جديدة (2) نُشرت في مجلة آفاق في علم النفس (Perspectives on Psychological Science) تحدت هذه النظرة. واستنادًا إلى أدلة من علم الأحياء الجزيئي والتصوير العصبي، رأى باحثون من جامعة أريزونا أن القدرات الإدراكية (3) في مراحل متقدمة من السن تمثل مرحلة طبيعية من مراحل التطور البشري، تتحول فيها الأولوية من تذكّر التفاصيل إلى الاستفادة من الحكمة. بعبارة أخرى، التقدم في السن لا يعني بالضرورة تراجع القدرات المعرفية، بل قد يصاحبه تغير في الطريقة التي يستخدم بها الإنسان هذه القدرات؛ فبدلًا من التركيز على تذكّر التفاصيل الدقيقة، تصبح الخبرة المتراكمة والقدرة على فهم الأمور والاستفادة منها أكثر أهمية مع التقدم في السن من القدرة على تذكّر التفاصيل.

يطلق الباحثون على هذه الفكرة "فرضية الشيخوخة التكيفية" (adaptive aging hypothesis). وترى هذه الفرضية أن بعض التغيرات التي تحدث مع التقدم في السن قد تكون جزءًا من تكيف طبيعي، وليست مجرد تراجع في القدرات العقلية. فقد يراكم كبار السن بمرور السنوات خبرة وحكمة، ويصبحون أكثر قدرة على نقلها إلى الأجيال الأصغر سنًا. وإذا أكدت الدراسات ذلك، فقد يساعد هذا في تفسير ملاءمتهم لأدوار مثل التعليم والإرشاد ورواية القصص.

صرّح فابيان-خوسيه فرنانديز Fabian-Xosé Fernandez، الباحث المشارك في الدراسة والأستاذ المشارك في علم الإدراك والأنظمة العصبية بجامعة أريزونا: «إذا نظرنا إلى الشيخوخة الطبيعية باعتبارها مجرد تراجع إدراكي، فإننا نغفل جانبًا مهمًا من الصورة. فالدماغ في مراحل السن المتقدمة مهيأ بصورة مثالية لأداء وظائف تختلف عن تلك التي يؤديها دماغ الأصغر سنًا، وفي مقدمتها نقل الخبرات المتراكمة وتعزيز العلاقات الاجتماعية.

فالدماغ لا يستمر في أداء الوظائف نفسها بالطريقة نفسها طوال مراحل الحياة. فمع التقدم في السن قد تتراجع بعض القدرات، مثل سرعة معالجة المعلومات أو تذكّر بعض التفاصيل، لكن في المقابل تصبح الخبرة المتراكمة والمعرفة الاجتماعية أكثر أهمية، ويكون الشخص الأكبر سنًا أكثر قدرة على استخدام خبرته ومشاركتها مع الآخرين، وبناء علاقات اجتماعية والحفاظ عليها.

يساعد الحُصين الدماغ على تذكّر التفاصيل الدقيقة للتجارب، بينما تركز القشرة أمام الجبهية أكثر على معناها العام أو خلاصتها. ومع التقدم في السن، يعتمد الدماغ بدرجة أقل على الحُصين، وبدرجة أكبر على القشرة أمام الجبهية.

"ظهور هذا النمط لدى البشر والحيوانات معًا يشير إلى وجود سبب تطوري وراءه، بحسب فرنانديز. فالإنسان يستمر في التطور طوال حياته، ويتغير هذا التطور وفقًا لاحتياجات الدماغ. في مرحلة الطفولة أّو الشباب، ينشط الحُصين لأن الإنسان لا يملك بعدُ معرفة واسعة بالحياة، ولا يزال يتعلم كيف تسير الأمور من حوله. ولذلك يسعى في هذه المرحلة إلى استيعاب المعلومات كما تمتص الإسفنجة الماء، لبناء قاعدة معرفية واسعة. وفي السنوات الأولى من الحياة، يركز الدماغ غالبًا على تذكّر الذكريات الصريحة (4) بدقة، بما فيها من تفاصيل وسياق للتعلم واكتساب الخبرة.

أما الشخص الأكبر سنًا، فلديه رصيد كبير من المعرفة والخبرات السابقة التي تساعده على فهم التجارب الجديدة. لذلك قد يكون فهم التجربة الجديدة وربطها بمعارفه وخبراته السابقة أكثر فائدة من محاولة تذكّر جميع تفاصيلها. ويرى الباحثون أن الدماغ يغيّر أولوياته مع التقدم في السن؛ فبدلًا من التركيز على تذكّر التفاصيل الدقيقة لكل تجربة، يصبح أكثر تركيزًا على فهم معناها العام واستخلاص أفكارها الأساسية.

وأشار فرنانديز إلى أن هذا التحول المرتبط بالتقدم في السن لم يُلحظ لدى البشر فقط، بل لوحظ أيضًا في دراسات أُجريت على حيوانات استُخدمت باعتبارها نماذجَ بحثية، ما قد يشير إلى أن لهذا التحول وظيفة تطورية. فمن خلال مساعدة كبار السن على الحفاظ على ما تعلموه والاستفادة منه، قد يعزز هذا التحول قدرتهم على اتخاذ القرارات، وتقديم الإرشاد، ونقل المعرفة إلى الأجيال الأصغر سنًا.

وقال فرنانديز: "إذا كانت هذه هي الأهداف، فمن المنطقي ألا ينصب اهتمام كبار السن على التفاصيل الدقيقة لكل شيء، بل على الحفاظ على الكم الكبير من المعرفة التي اكتسبوها بالفعل. وقد تكون هذه إحدى آليات التطور. فإذا عاش المرء فترة طويلة بما يكفي، يصبح من المهم أن ينقل ما اكتسبه من معرفة وخبرة إلى الأجيال الأصغر سنًا. ولذلك قد تبدأ تغيرات بيولوجية تساعد على ترسيخ ذكرياته الدلالية (المعارف العامة المتراكمة طوال الحياة) (6) وذكريات سيرته الذاتية (7) وحمايتها." الجدير بالذكر ان كلًا من الذاكرة الدلالية وذاكرة السيرة الذاتية هما من الذاكرة الصريحة (5).

التغيرات الطبيعية التي تحدث في الدماغ مع التقدم في السن، لا تعني بالضرورة مجرد تراجع في القدرات المعرفية، بل قد يصاحبها تغير في طريقة عمل الدماغ، بحيث يعتمد بدرجة أكبر على الخبرة والمعرفة المتراكمة وفهم المعنى العام للتجارب.  هذا التصور بحد ذاته يساعد الباحثين على التمييز بين التغيرات الطبيعية المرتبطة بالتقدم في السن وتلك الناجمة عن مرض ألزهايمر.

وقال فرنانديز: "عندما كنت طالب دراسات عليا، كان يُنظر إلى مرض ألزهايمر على أنه شكل أكثر حدة من التراجع الإدراكي المرتبط بالتقدم في السن، لكن هذا غير صحيح على الإطلاق؛ فهما مختلفان تمامًا."

يوضح فرنانديز أن مرض ألزهايمر يرتبط بتغيرات مرضية تشمل بروتينات مثل الأميلويد والتاو، وقد تتداخل هذه العمليات مع التحول الطبيعي الذي يطرأ على الدماغ مع التقدم في السن الطبيعي، يعتمد الدماغ تدريجيًا بدرجة أقل على الحُصين وبدرجة أكبر على القشرة أمام الجبهية، ويحدث ذلك عادةً بين العقدين الخامس والسابع من السن.  أما في مرض ألزهايمر، فقد لا يحدث هذا التحول الطبيعي في الدماغ بالطريقة المعتادة.

وقال فرنانديز: "في الشيخوخة الطبيعية، ينخفض نشاط الحُصين ويقل اعتماد الدماغ عليه. وهذا ما يُتوقع حدوثه لدى شخص في السبعين من عمره. لكن في كثير من حالات ألزهايمر، يظل الحُصين مفرط النشاط. ويعرقل المرض هذا التغير الطبيعي في الدماغ مع التقدم في السن. وتؤثر التغيرات المرضية في الذاكرة العرضية والدوائر العصبية التي تساعد الإنسان على التفكير في حياته وتجاربه الشخصية، وعلى استحضار الكلمات اللازمة للتعبير عنها،" وبعبارة أخرى، لا يؤثر ألزهايمر في الذاكرة فحسب، بل قد يعرقل أيضًا التغير الطبيعي في طريقة عمل الدماغ مع التقدم في السن. ويشمل ذلك تغير اعتماده على الحُصين ومناطق الدماغ الأخرى.

وأضاف فرنانديز أن محاولة جعل دماغ المسن يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها دماغ الأصغر سنًا قد لا تكون مفيدة، بل قد تأتي بنتائج عكسية. ويحدث ذلك عند التركيز على التفاصيل الدقيقة بدلًا من التركيز على الصورة العامة. وقال: "بالنسبة إلى كثير من الناس، ربما ينبغي أن يقل اعتماد الدماغ على الحُصين في معالجة المعلومات عند بلوغ العقد السادس أو السابع من العمر."

 

 

بدلًا من التركيز على ما يفقده الدماغ مع التقدم في السن، بإمكان المجتمع أن يستفيد من نقاط القوة التي تتطور طبيعيًا لديه، وأن يساعد على تنميتها. ومن ذلك تشجيع التواصل الاجتماعي، ولا سيما العلاقات بين الأجيال، التي تتيح لكبار السن نقل ما اكتسبوه من حكمة وخبرة إلى الأجيال الأصغر سنًا.

ويقول فرنانديز: "ينظر الناس إلى كبار السن غالبًا على أنهم أقل قدرة من الأصغر منهم سنًا في كثير من الجوانب. لكنني أراهم أشخاصًا أمضوا عقودًا في التعلم واكتساب الخبرات، ومرّوا بتجارب كثيرة وغنية. وهذه خبرة لها قيمة كبيرة، إلا أننا لا نحسن استثمارها والاستفادة منها بالقدر الكافي ولا نبذل جهدًا كافيًا للاستفادة منها."

 

الهوامش

1- https://www.psychologicalscience.org/news/2026-sept-aging-brain.html

 

 

2 https://www.mayoclinic.org/ar/diseases-conditions/mild-cognitive-impairment/-causes/syc-20354578

 

3- https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/17456916261469175

 

4-"القدرات الإدراكية هي قدرات دماغية تشمل مجالات الإدراك الحسي والانتباه والذاكرة والتعلم واتخاذ القرار والقدرات اللغوية."  ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:

https://en.wikipedia.org/wiki/Cognitive_skill

 

 

 5- https://ar.wikipedia.org/wiki/ذاكرة_صريحة

 

6- https://ar.wikipedia.org/wiki/ذاكرة_دلالية

 

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/ذاكرة_السيرة_الذاتية

 

المصدر الرئيس

https://www.psychologicalscience.org/news/2026-sept-aging-brain.html


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق