الخميس، 16 فبراير 2023

لا يبقى الاحساس بالزمن كما كان: يختلف احساس الأطفال بالزمن عن الكبار


17 نوفمبر 2022

 

المصدر: جامعة يوتڤوس لوراند

 

المترجم: عدنان أحمد الحاجي 

 

المقالة رقم 47 لسنة 2023

 

Time Is Not What It Used to Be: Children and Adults Shown to Experience Time Differently

Neuroscience News

 

November 17, 2022

 

الملخص: تحدث نقطة انقلاب احساس المرء بسرعة مرور الزمن النسبي في سن السابعة.  يقول الباحثون أن مفهوم الحدس المهني يمكن أن يساعد في تفسير الاختلافات في الاحساس بمرور الزمن بحسب السن.


حقق باحثون في جامعة يوتڤوس لوراند Eötvös Loránd في هنغاريا فيما إذا كان الاحساس بالزمن يتغير مع التقدم في السن، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف ولماذا نحس بمرور الزمن بشكل مختلف.

نشرت الدراسة في مجلة التقارير العلمية Scientific Reports(1).

يستطيع الزمن أن يحتال علينا.  يشعر كثير منا بالوهم (الخداع الحسي)(2) بأن تلك الفصول السنوية الطويلة أثناء مرحلة الطفولة بدت وكأنها أطول بكثير من نفس مدتها (مدة الثلاثة شهور للفصل) التي تبدو عليها في مرحلة الرشد (مرحلة الرشد تبدأ من سن 20 سنة وأكبر، بحسب التعريف). على الرغم من أننا نتمكن من أن نناقش لماذا يبدو أحد فصول الصيف أطول من فصل صيف آخر وكيف يمكن للإحساس بالزمن أن يقصِّر أو يمدِّد الفترات الزمنية بحسب عوامل مختلفة، يمكننا بسهولة أن نقوم بتجربة لنزداد تبصرًا في هذه الظاهرة.  وهذا ما قام به الباحثون بالضبط.  فقد سألوا كيف تؤثر الفترة الحافلة بالأحداث في تقديراتنا للمدة الزمنية عند دراسة مراحل عمرية مختلفة خلال تطورنا المعرفي (3). أفرد الباحثون ثلاث فئات عمرية، 4 - 5 سنوات و 9 - 10 سنين و 18 سنة فما فوق لهذه التجربة، وجعلوهم يشاهدون مقطعي فيديو، كل منهما بطول دقيقة واحدة. مقطعا الفيديو هذان استقطعا من مسلسل رسوم متحركة مشهور.  يتميز هذان المقطعان بتوازن في خصائصهما البصرية والصوتية، باستثناء خاصية واحدة: وهي أن واحدًا منهما حافل بالأحداث.

أحد مقطعي الفيديو يتألف من تسلسل أحداث سريع (أحد افراد الشرطة يحرر حيوانات من قبضة لص ويقبض عليه) ، والمقطع الآخر متكون من تسلسل أحداث رتيب ومتكرر (ستة سجناء مشبوهون يهربون على متن قارب تجديف). شغّل الباحثون المقطعين بترتيب متوازن، وشاهدوا المقطع الحافل بالأحداث أولاً.  بعد مشاهدة مقطعي الفيديو، طرحوا سؤالين فقط على المشاركين: "أي المقطعين أطول؟" و "هل تتمكنوا من أن تشيروا إلى ذلك بأذرعتكم؟" وهذه تعد أسئلة سهلة الفهم حتى بالنسبة لطفل عمره 4 سنوات.

بينت النتائج تحيزًا قويًا في كل فئة عمرية ولكن بالنسبة للأطفال في مرحلة ما قبل روضة الأطفال [4 - 5 سنوات]، أصبح هذا التحيز، فجأة،  في الاتجاه المعاكس .

على الرغم من أن أكثر من ثلثي الأطفال في مرحلة ما قبل الروضة ينظرون إلى الفيديو الحافل بالأحداث على أنه طويل، شعر ثلاثة أرباع  مجموعة الراشدين [18 سنة وأكبر] بأن الفيديو الهادئ (الرتيب) أطول.  وأعربت المجموعة الوسطى [9 - 10 سنوات] عن تحيز مشابه ولكنه أكثر اعتدالًا من مجموعة الراشدين. بإدراج المجموعة الوسطى (9  - 10 سنوات)، يمكن تقدير نقطة الانقلاب [تغير التحيز من جهة إلى أخرى] حول سن السابعة تقريبًا.

فيما يتعلق باتجاه مد الذراع والطول / القصر ، كان هناك اتجاه متزايد لاستخدام مد الذراع أفقيًا [للاشارة الى طول / قصر مقطع الفيديو] مع التقدم في السن. على الرغم من أن الأطفال في سن ما قبل الروضة يستخدمون مد الذراع أفقيًا ورأسيًا بنسبة 50 - 50٪، تغيرت هذه النسبة إلى 80 - 90٪ بحسب سن المدرسة لصالح مد الذراع أفقيًا للاشارة الى طول / قصر مقطع الفيديو .

النتيجة كانت غير متوقعة لأنه لم يكن بإمكان أي من النماذج البيولوجية للاحساس بالزمن من أن تتنبأ بها.  فكيف يمكننا تفسير هذه النتيجة؟ تندرج النماذج البيولوجية للاحساس بالزمن ضمن فئتين: الخلايا العصبية الشبيهة بالخلايا المنظِمة لضربات القلب [خلايا تصدر ومضات كهربائية تجعل القلب ينبض(4)] في الدماغ والخلايا العصبية التي تعطي معدل فعل جهد firing يتناقص بمرور الزمن.  ومع ذلك، "من" يفسر تلك الإشارات في الدماغ يظل بعيد المنال.

ما وجده الباحثون كان نقطة انقلاب لنسب مدة مقطع الفيديو المتصورة بين المجموعتين الأصغر سنًا والمجموعتين الأكبر سناً [المجموعة الثانية والثالثة] عند سن السابعة.  كيف نتمكن من تفسير انقلاب التحيز هذا؟

استفاد المؤلفون من مفهوم الحدس المهني(5)، الذي أدخله عاموس تڤيرسكي Amos Tversky ودانييل كانيمان Daniel Kahneman في العلوم المعرفية.  يعرّفون الحدس المهني على أنه اختزالات عقلية أو ملكات تمكّن المرء من اتخاذ قرارات بصورة أسرع.  لفهم سبب حاجتنا إلى الحدس المهني لمقارنة المدد الزمنية، دعونا نلقي نظرة على الأشياء الأخرى التي يمكننا الاعتماد عليها.  نظرًا لأن الدماغ ليس لديه ساعة مركزية موثوقة ولا علامات حسية sensory mapping مباشرة يُستدل بها على المدد الزمنية(6)، وعلى عكس المسافات أو درجة الصوت، يجب علينا استخدام وسائل غير مباشرة لقياس المدد الزمنية.

تعد الوسيلة عير المباشرة لقياس "المدة الزمنية" شيئًا ملموسًا ولكنها مرتبطة بمحتوى الزمن ، مثلًا، "أي مقطع فيديو يمكنني التحدث عنه أكثر؟" إذا كان الفيديو الأول مليئًا بالإثارة، فبإمكان المشاركين أن يتحدثوا كثيرًا عنه، كما يعتقد الطفل بسن 5 سنوات.  بينما يمكن تلخيص الفيلم الآخر بكلمة واحدة، "شجار". يتألف مقطع الفيديو الحافل بالأحداث من ثلاث حلقات، وهو مثال رائع على إحدى القصص.

في المقابل، الفيديو الرتيب لا يحتوي لا على حلقات ولا على قصة. من حيث الحدس المهني، يمكن معرفة الفرق بالحدس المهني التمثيلي [الحدس المهني المعتمد على النتائج المستخلصة من عينة أو عينات من الشيء / الأشياء المفحوصة] . يحتوي الفيديو الحافل بالأحداث على قصص ممثلة لمحتواه أكثر من مقطع الفيديو الرتيب.  لذلك، بالاعتماد على الحدس المهني التمثيلي، سيشعر أطفال رياض الأطفال أن مدة الفيديو الحافل بالأحداث كانت أطول.

إذا كان مفهوم المدة الزمنية هذا يوفر قياسًا جيدًا غير مباشر لـ "الزمن" ، فلماذا ننتقل إلى نظام آخر عند سن السابعة؟ يجادل الباحثون بأن الإجابة هي الانتقال إلى فئة أخرى من الحدس المهني، وهو الحدس المهني الاعتياني sampling. في سن 6 إلى 10 سنوات تقريبًا، يتعلم الأطفال مفهوم "الزمن المطلق". نعتمد جميعًا على مفهوم التوقيت المطلق والتوقيت العالمي [الوقت في السعودية، مثلًا، يساوي التوقيت العالمي + 3  ساعات]  عند تحديد المواعيد وتنظيم مهامنا والعمل بحسب جداولنا الزمنية.

كل هذه التصرفات تعزز مفهوم التوقيت العالمي المستقل عن (غير المتأثر بـ) المراقب / الملاحظ  والمتوافق تمامًا مع ميكانيكا نيوتن الكلاسيكية(7). نبدأ في اعتبار الزمن ككيان مادي، بغض النظر عن سلسلة الأحداث المرتبطة ببعضها، ونكون على وعي بأن احساسنا الشخصي بالزمن كمراقبين قد يتغير أو يكون موضوع وهم.  أفضل ما يمكننا فعله للتخلص من تأثير الذاتية (8) هو التحقق من مرور الزمن.

يمكننا التحقق من مرور الوقت من خلال الاعتيان منه (أخذ عينات منه) بشكل متكرر.  النظر إلى الساعات أو مجرد التحديق من النافذة ومشاهدة حركة المرور. كلما تحققنا أكثر، كلما زادت موثوقية تقديرنا للمدة الزمنية التي نقيسها.  ومع ذلك، فإن دماغنا ليس متاحًا دائمًا لتتبع الزمن. عندما يكون انتباهنا مشغولًا بمهمة أخرى، فإن الاعتيان من التوقيت المطلق هذا قد يتخطى دورات الاعتيان.  في المقابل، عند انتظار أحد الأشخاص الذي تأخر عن موعده، يتباطأ الزمن لأن الدماغ يبدأ بعد الثواني بعد أن ينفد الصبر ويزداد الغيظ.

في ضوء هذا الحدس المهني والتمثيل والاعتيان، دعونا نرى كيف نأخذ عينات من الزمن (التوقيت) المطلق عندما يُطلب منا تخمين مدة مقطع فيديو مثير وآسر مقابل مدة مقطع فيديو رتيب وممل.  عندما نشاهد فيلمًا آسرًا، يكون العقل في حالة انغماس تام في أحداث الفيلم لأن تسلسل الأحداث يتكشف بسرعة أمام المشاهد بحيث لا يوجد لديه وقت للتفكير في أي شيء آخر ، كأمور الحياة أو أمور العمل أو قائمة المهام التي يتعين عليه انجازها. ولكن الواقع البديل(9) لحبكة الفيلم تختطف عقله. 

في المقابل، عند مشاهدة فيلم ممل، يطالع المشاهد ساعته ليتحقق من الوقت أو يفكر في مكان آخر يمكن أن يتواجد فيه في ذلك الحين، وكل هذه التشتتات تمكننا من الاعتيان من تدفق (مرور) الزمن المطلق.  ومن ثم، نوعا الحدس المهني يفسران نقطة الانقلاب الغريبة التي تحدث عند سن السابعة تقريبًا والتحيز المتأصل بأن الاجتماعات المملة تبدو أطول مما هي عليه بالفعل، والتي تستمر معنا ما بقينا على قيد الحياة.

على الرغم من أن أحجية الزمن كانت ولا تزال محيرة للعقل البشري ، فمن الضروري إدراك أن هذه المفاهيم الأساسية، كمفهومي الزمان والمكان، أكثر تعقيدًا مما يمكننا حصره بأنواع معينة من الخلايا العصبية في الدماغ. لنقاش مثل هذه المفاهيم المجردة ، يحتاج المرء إلى ربط جميع المعطيات (قطع أحجية) البيولوجية والمعرفية. هل نتمكن من حل أحجية تركيب الصور المقطوعة(10)؟ فقط الزمن كفيل بإثبات ذلك.

 

مصادر من داخل وخارج النص

 

1- https://www.nature.com/articles/s41598-023-27419-4

 

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/وهم

 

3- "التطور المعرفي cognitive development يصف كيف يتطور دماغ الطفل، وينطوي على تطور مهارات، مثل مهارات التفكير والتعلم والاستكشاف وحل المسائل / المشكلات.  كما أنه يؤثر في المجالات الأخرى لنمو الطفل، بما فيها المهارات اللغوية والاجتماعية،"  ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:

https://helpmegrowmn.org/HMG/DevelopMilestone/CognitiveMilestones/index.html

 

 

4- https://www.heart.org/en/health-topics/arrhythmia/prevention--treatment-of-arrhythmia/pacemaker

 

5- "حدس مهني (heuristic) هو مصطلح يشير إلى الطرق المستخدمة في حل المشكلات الإنسانية والالية باللجوء إلى التجارب أو الخبرات التقنية.  يعرف معجم اللغة العربية بالقاهرة الحدس المهني بأنه المقدرة النامية للفرد لحل المشكلات من جراء تراكم الخبرة الطويلة.  يعتبر مبدأ التجربة والخطأ أو المحاولة والخطأ أبرز مثال على التعامل مع المشكلات اليومية ويستخدم في التحليل العددي لحل العديد من المسائل الرياضية والتقنية والهندسية.  مثلًا،  يستطيع الخباز معرفة الزمن والحرارة اللازمين لخبز رغيف الخبز دون الحاجة إلى مقياس لدرجة الحرارة ولا ساعة توقيت وهذا بسبب اكتسابه المهارة اللازمة منذ تعلم تلك المهنة.  عندما يرغب هذا الخباز أو ذاك الطباخ في تجريب وجبة جديدة فإنهما يستعينان بخبرتيهما في المحاولة حتى يبلغا ما أراده كل منهما ولكن في زمن ومحاولات أقل بكثير من الشخص الذي ليس لديه خبرة."  مقتبس ببعض التصرف من نص ورد على هذا العنوان:

https://ar.wikipedia.org/wiki/حدس_مهني

 

6- https://www.sensorytrust.org.uk/resources/guidance/sensory-mapping

 

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/ميكانيكا_كلاسيكية

 

8- https://ar.wikipedia.org/wiki/ذاتية_(فلسفة)

 

9- "غالبًا ما يرجع الواقع البديل alternative reality إلى الأكوان المتوازية في روايات الخيال، وهو عالم منفصل قائم بذاته أو كون أو واقع يتعايش مع العالم الحقيقي، والذي يستخدم كنقطة حبكة متكررة أو مكان يستخدم في روايات الخيال والخيال العلمي."  ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:

https://en.wikipedia.org/wiki/Alternate_reality

 

10- https://ar.wikipedia.org/wiki/أحجية_الصور_المقطوعة

 

المصدر الرئيس

https://neurosciencenews.com/time-perception-age-22432/

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق