بقلم أتوم ساركار، برفسور جراحة الأعصاب، جامعة دركسل
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
المقالة رقم 17 لسنة 2026
Can shoes alter your mind? What neuroscience says about foot sensation and focus
January 27, 2026
ادعاء شركة نايكي بأن هذه الأحذية تجعلك تشعر بمزيد من الحضور والصفاء الذهنيين والتركيز والقدرة على المرونة. قد تكون هذه الادعاءات مبالغًا فيها. فمن غير المرجح أن يكون لارتداء هذه الأحذية التأثير القوي على الدماغ كما توحي الدعايات التسويقية.
لا تصدق أن زوج حذاء قادر على تحسين حالتك الذهنية أو تركيزك أو انتباهك بشكلٍ ملموس.
دخلت الأحذية الرياضية عصرًا جديدًا من الطموح. فبعد أن كانت شركة نايكي تكتفي بوعود تتضمن قدرة أحذيتها على التحمل وتزويد مرتديها بالراحة أثناء الجري، ادعت أن أحذيتها قادرة على تنشيط الدماغ، وتعزيز الوعي الحسي، بل وتحسين التركيز وزيادة الحضور الذهني من خلال تحفيز باطن القدمين (1).. قد يكون هذا الادعاء مثيرًا للإعجاب، لكنه قد يكون مجرد ترويج مُبالغ فيه أكثر من كونه مبنيًا على أسس علمية رصينة. لذا ينبغي التحقق
قال ماثيو نيرس Matthew Nurse، كبير المسؤولين العلميين في نايكي، في البيان الصحفي للشركة بخصوص الأحذية: "بدراسة الإدراك والانتباه والتغذية الراجعة الحسية، استفدنا من العلاقة بين الدماغ والجسد بأساليب جديدة. فالأمر لا يقتصر على الجري بسرعة أعلى فحسب، بل يتعلق أيضًا بالشعور بمزيد من الحضور والصفاء الذهنيين والتركيز والقدرة على المرونة."
نعم، هناك مفهوم حقيقي للعلاقة بين الدماغ والجسد. كما أنه من المعلوم أن القدمين يحتويان على نهايات عصبية ومدخلات حسية، وعليه ترسل بواطن القدمين بالفعل كمًّا هائلًا من المعلومات الحسية إلى الدماغ.
لكن القفز من هذا المفهوم العصبي إلى "تأثير الأحذية وتحسينها للتركيز والحضور الذهني تعتبر قفزة كبيرة جدًا قد لا تصمد من الناحية العلمية. إذن، ادعاء أن ارتداء أحذية خاصة سيُحدث تغييرًا جوهريًا في الحالة النفسية لمرتديها. قد تكون ادعاءات مُبالغًا فيها.
برندات brands تجارية أخرى، مثل نابوسو Naboso، "تبيع أحذية نابوسو العصبية" وجوارب وأحذية أخرى مصممة خصيصاً لتحفيز الجهاز العصبي عبر تحفيز الأعصاب في باطن القدمين، هذه الفكرة فكرة جذابة: فالقدمان غنيتان بالمستقبلات الحسية، فهل يمكن بعد تحفيزهما أن تحسن القدرات الذهنية فعلاً؟
بصفتي جراح أعصاب متخصصاً في دراسة الدماغ، وجدتُ أن علم الأعصاب يفيد بأن الواقع أكثر تعقيداً - وأقل إثارة بكثير - مما تشي به هذه الحملات التسويقية لهذا النوع من الأحذية.
"هل يُمكن لتحفيز القدمين أن يُحسّن التركيز الذهني حقًا؟"
نعم، هناك تواصل بين القدمين وبين الدماغ. لكن هذا لا يعني أن تحفيز القدمين سيُحسّن بشكل ملحوظ حدة الذهن وصفاءه أو مدى التركيز. تأثير هذه العلافة بسيط وغير مباشر والتأثير العصبي الفعلي لا يذكر، ولكن الإعلانات التجارية تضخم من تأثير هذه العلاقة العصبية بين القدمين والدماغ وتضرب وعودّا للمستهلكين مُبالغّا فيها بأن الحذاء العصبي يحسن من حدة الذهن والتركيز.
علاقة وثيقة بين القدمين والدماغ
يحتوي باطن (أخمص) القدمين على آلاف المستقبلات الميكانيكية (2) التي تستشعر الضغط والاهتزاز والملمس (ملمس السطح الذي تمشي عليه القدمان) والحركة.
تنتقل الإشارات من هذه المستقبلات عبر الأعصاب الطرفية إلى النخاع الشوكي، ومنه إلى منطقة في الدماغ تُسمى القشرة الحسية الجسدية (3)، والتي تحتفظ بخريطة للجسم. تشغل القدمان جزءًا مهمًا من هذه الخريطة، مما يعكس أهميتهما في التوازن ووضعية الجسم والحركة.
يؤثر نوع الحذاء أيضًا على الإحساس العميق - وهو إحساس الدماغ بموقع الجسم في الفضاء (4، 5)، - والذي يعتمد على الإشارات الواردة من العضلات والمفاصل والأوتار. ولأن وضعية الجسم والحركة مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا بالانتباه واليقظة، فإن التغيرات في الإشارات الحسية الواردة من القدمين قد تؤثر في مدى شعور الشخص بالثبات واليقظة والاتزان. وحين تكون القدمان حساستين تصبح ردود فعل وضعية الجسم أكثر فعالية. ولذلك بعض كبار السن المصابون بضعف في إحساس القدمين هم أكثر عرضة للسقوط، ذلك لأن انخفاض الإحساس في باطن القدم مرتبط بانخفاض الأداء الحركي الإدراكي لديهم. كما أن نوع الحذاء مهم، حيث له دخل في تغيير المدخلات الحسية. لذلك الأحذية السميكة والصلبة تُقلل من التغذية الراجعة الحسية من القدمين إلى الدماغ، لهذا السبب، يولي أطباء الأعصاب وأخصائيو العلاج الطبيعي اهتمامًا بالغًا بنوعية الأحذية لدى المرضى الذين يعانون من اضطرابات التوازن أو الاعتلال العصبي (6) أو مشكلات المشي. إذ قد يكون لتغيير الإشارات الحسية تأثير في طريقة حركة الناس (7).
لكن التأثير في الحركة لا يعني بالضرورة تحسين الانتباه والتركيز.
الأحذية البسيطة والوعي الحسي
الأحذية البسيطة، ذات الطبقة الرقيقة جدًا بين باطن القدم والأرض (عادةً ما تخلو من دعم قوس القدم أو الكعب العالي)، تتميز بمرونتها العالية مع حركة القدم وتسهل وصول معلومات أكثر عن طبيعة الملمس ووضعية الجسم إلى الدماغ مقارنةً بالأحذية التي لها طبقة سميكة. في الدراسات المخبرية، تقليل سماكة الطبقة يؤدي إلى زيادة احساس مرتديها بمكان وضع قدميه ولحظة ملامستها لسطح الممشى وتعطيه شعورًا أقرب إلى المشي حافيًا، مما قد يُحسّن من توازن الجسم أو ثبات المشية.
ولكن زيادة الإحساس ليست بالضرورة أفضل. فالدماغ يُصفّي المدخلات الحسية باستمرار (8)، مُعطيًا الأولوية لما هو مفيد ومُتجاهلًا ما هو مُشتّت. بالنسبة لغير المُعتادين على الأحذية البسيطة، قد تُؤدي الزيادة المفاجئة في التغذية الحسية الراجعة إلى زيادة الجهد الإدراكي (اجمالي الجهد الذهني المستخدم في الذاكرة العاملة) (9)، مُوجّهةً الانتباه نحو القدمين ومشتتّا الذهن فلا يستطيع التركيز على الأداء أو على ما هو مهم أو ضروري في حينه.
التحفيز الحسي (تحفيز واحدة أو أكثر من الحواس الخمس، بالإضافة إلى الحس العميق والدهليزي) يمكن أن يرفع من مستوى الشعور بملمس باطن القدم لسطح الممشى، لكن هناك عتبة معينة إذا تجاوزها يصبح مجرد ضجيج.
هل يمكن للأحذية أن تُحسّن من التركيز؟
تُثير هذه المسألة شكوكًا كبيرة من ناحية علم الأعصاب في مدى قدرة الأحذية المُصممة خصيصًا للتحفيز الحسي على تحسين التركيز.
يُنشّط الإدخال الحسي من القدمين المناطق الحسية الجسدية (somatosensory) في الدماغ. لكن تنشيط الدماغ وحده لا يعني بالضرورة التحسن في التفكير أو التركيز (10، 11). يعتمد التركيز والانتباه والوظائف التنفيذية على شبكات عصبية موزعة تشمل مناطق أخرى من الدماغ (خاصةً المناطق المسؤولة عن الانتباه واتخاذ القرارات)، مثل قشرة الفص ما قبل الجبهي، والفص الجداري، والمهاد. كما تعتمد أيضًا على هرمونات تُنظّم الجهاز العصبي، مثل الدوبامين والنورأدرينالين.
لا يوجد دليل يُذكر على أن التحفيز التلقائي (بدو بذل مجهود) للقدم - مثل الأحذية ذات الملمس الخاص، أو الأشكال الهندسية المبتكرة لأشكال إسفنجية للحذاء، أو الخصائص الميكانيكية الدقيقة له - يُحسّن التركيز بشكلٍ ملحوظ لدى الأصحاء الشباب. تشير بعض الدراسات (12) إلى أن التحفيز الحسي الخفيف قد يزيد من اليقظة لدى فئات معينة - ومنهم كبار السن الذين يتدربون على تحسين توازنهم أو الذين يخضعون لإعادة التأهيل - لكن هذه التأثيرات طفيفة وتعتمد بشكل كبير على السياق. وبعبارة أخرى، لا يعني الشعور بمزيد من التحفيز الحسي بالضرورة أن أنظمة الانتباه في الدماغ تعمل بشكل أفضل وتحسن التركيز.
الاعتقاد والتوقع والتجربة الجسدية
مع أن الأحذية قد لا تؤثر بشكل مباشر على الانتباه والتركيز، إلا أن هذا لا يعني أن التأثيرات النفسية التي يبلغ عنها الناس هي تأثيرات وهمية.
ما يزال للاعتقاد والتوقع دورٌ بالغ الأهمية في الطب. فتأثيرات البلاسيبو (تأثير الدواء الوهمي) (13) في الإحساس والتحفيز والأداء موثقة جيدًا من قبل دراسات علم الأعصاب. إذا اعتقد أحد الأشخاص أن حذاءً ما يُحسّن من التركيز أو الأداء الذهني، فإن هذا الاعتقاد وحده كفيل بتغيير إحساسه، وبالتالي سلوكه، وأحيانًا يكون هذا التغيير كافٍ لإحداث تأثيرات قابلة للقياس.
يتزايد الاهتمام أيضاً بالإدراك المجسّد (أو الإدراك المكتسب بشكل محسوس (14)، أي فكرة أن الحالة الجسدية تؤثر في العمليات الذهنية. فالوضعية والحركة والثبات البدني يمكن أن توثر في الحالة المزاجية والثقة والصفاء الذهني. وقد يؤثر نوع الحذاء الذي يغير طريقة وقوف الشخص أو حركته في مدى تركيزه بشكل غير مباشر، حتى وإن لم يُحسّن من مستوى الانتباه والتركيز بشكل مباشر.
في النهاية، قد يكون الاعتقاد بأن منتجًا ما يمنحك ميزة ما يعتبر أقوى تأثير لهذا المنتج، من ناحية تأثير البلاسيبو.
الاختلاف بين الأدلة العلمية والتسويق التجاري
لا تكمن المشكلة في ما إذا كانت الأحذية تؤثر في الجهاز العصبي - فهي تؤثر بالفعل - بل تكمن في عدم الدقة. فعندما تدّعي الشركات أن أحذيتها "تُغيّر المزاج (15)،" فإنها غالبًا ما تُغفل التمييز بين التعديل الحسي (قدرة الجهاز العصبي على تنظيم الاستجابات للمدخلات الحسية) وتحسين القدرات الإدراكية، من الانتباه والتركيز وغيرهما.
بالرغم من أن الأحذية قادرة على تغيير المدخلات الحسية والوضعية وميكانيكا الجسم، إلّا أنه لا يوجد دليلٌ قاطعٌ من دراسات علم الأعصاب على قدرة الأحذية على التأثير بشكلٍ موثوقٍ في أداء الدماغ وتحسين التركيز أو الانتباه. وإلّا لكان هذا التأثير بيِّنّا وواضحّا في التجارب وقابلّا للقياس والتكرار. ولكن حتى الآن، لم يحدث ذلك. إذن، ادعاءات شركات الأحذية التي تزعم ذلك لا تدعمها نتائج دراساتٌ علم الأعصاب الرصينة والقويةٌ والقابلةٌ للتكرار.
يمكن للأحذية أن تُغيّر إحساسنا بأجسادنا، وكيف نتحرك في المكان، ومدى إدراكنا الحسي بالمحيط، بما فيه الأرض التي نمشي عليها. قد تؤثر هذه التغييرات في الثقة بالنفس والراحة والإحساس، وكلها عوامل مهمة في مدى الإحساس الشخصي بالتجربة الشخصية على المستوى الذهني.
لكن التأثيرات "المُغيّرة للمزاج" الأكثر أهمية لا تأتي من إحساس القدمين وحده، بل من خلال اللياقة البدنية، والحركة المستمرة، وممارسة التمارين الرياضية المنتظمة، والنوم الجيد، والتدرب على التركيز. فالفوائد الحقيقية والدائمة التي تُغير الحالة الذهنية (المزاج)، من شأنها أن تؤثر في الدماغ وتُغير الأداء الذهني بالفعل. فالأحذية قد توثر في الشعور بالحركة في الأثناء، لكنها لن تُحدث في النهاية تغييرات دائمة في الدماغ أو الأداء الذهني.
الهوامش
1- https://about.nike.com/en/newsroom/releases/nike-mind-001-mind-002-official-images
2- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0987705320300046?via=ihub
3- https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK555915/
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/استقبال_الحس_العميق
5- https://theconversation.com/proprioception-our-imperceptible-6th-sense-150775
6- https://www.ninds.nih.gov/health-information/disorders/peripheral-neuropathy
7- https://link.springer.com/article/10.1186/1743-0003-11-79
8- https://news.mit.edu/2019/how-brain-ignores-distractions-0612
9- https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2018.02059/full
10- https://ar.wikipedia.org/wiki/تعزيز_عصبي
11- https://www.jneurosci.org/content/37/31/7390
12- https://jneuroengrehab.biomedcentral.com/articles/10.1186/1743-0003-11-79
13- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/تأثير-البلاسيبو/
14- https://ar.wikipedia.org/wiki/إدراك_مجسد
15- https://about.nike.com/en/newsroom/releases/nike-mind-001-mind-002-official-images
المصدر الرئيس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق