بقلم هيذر اشباخ من جامعة كاليفورنيا في أيرڤاين
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
المقالة رقم 62 لسنة 2026
هل ندرك الأشياء على حقيقيتها؟
عدنان أحمد الحاجي
https://sobranews.com/sobra/399211
The case against reality
July 22, 2019
في كتابه، يقول الباحث في علوم الرؤية (البصريات) في جامعة كاليفورنيا دونالد هوفمان Donald Hofman إن التطور قد درب البشر على بناء واقع حقيقي، لا أن يروا العالم من حولهم كما هو بالفعل
الإدراك الحسي ليس حقيقة موضوعية. مثال جيد على ذلك: الصورة أعلاه ثابتة ومنبسطة (مسطحة) ... تحاول فقط إخبار الدماغ أنها كذلك. استاذ البصريات في جامعة كاليفورنيا في إيرڤاين، دونالد هوفمان، في كتابه الحجة ضد الواقع The Case Against Reality طبق هذا المفهوم على الوعي لدى الإنسان برمته، وجادل بأن التطور جاء لا لتمثيل الواقع بدقة، بل لمساعدتناعلى البقاء من خلال تشكيل إدراكاتنا الحسية. بعبارة أخرى، قد تكون الأشياء التي نراها ونفكر فيها ونشعر بها ونتفاعل معها أشبه بأيقونات على شاشة حاسوب، لا إدراكها حسيََا في الواقع كما هي مباشرة. يعتقد هوفمان أن فهمنا للوعي والواقع قد بُني على افتراض خاطئ: وهو أن حواسنا تكشف الواقعً كما هو في حقيقته.
كتاب دونالد هوفمان
يقول هوفمان أنه مهتم بمعرفة التجارب البشرية الواعية، أي الإدراك الحسي (مدخلات الحواس الخمس) لما يجري في محيطنا وعلاقتها بنشاط البدن والدماغ حين نتفاعل معها، وما تنطوي عليه من الصعوبات الفنية المتمثّلة في بناء نماذج حاسوبية قادرة على محاكاة تلك العمليات المتعلقة بالوعي. ولهذا السبب أعمل على إنشاء نموذج يفسر الوعي بهدف طرح نظرية علمية تفسر آلية عمل التجربة الواعية،" كما يقول.
قال هوفمان: "بصفتي باحثََا علميََا، طرحت نظرية ثم حاولت إثبات أنها خاطئة (دحضها)، لاختبار صلاحيتها،" نظرًا لعدم وجود نظرية رياضية تفسر نمط النشاط العصبي الذي ينتج الوعي، فقد افترض الكثير من الباحثين أن أنماطًا معينة من نشاط الدماغ تتلازم مع تجارب (إدراكات حسية) معينة، فعلى سبيل المثال، قد يرتبط نشاط عصبي معين برؤية لون معين أو ذوق معين أو لمس معين. لكن هوفمان قال: مجرد التعرف على هذه الاقترانات بين النشاط المعين والإدراك الحسي المعين لا يكفي، وما زلنا نفتقر إلى نظرية علمية تفسر لماذا أو كيف ينتج عن أنماط النشاط العصبي هذه تجارب حسية ذاتية في المقام الأول. هذه المشكلة العالقة تُعرف بـ "معضلة الوعي (1)."
لفتت دراسة هوفمان انتباه الأوساط العلمية والروحيةعلى حد سواء لمحاولتها معرفة السمات التي تجعل التجربة الإنسانية ممكنة. هوفمان في كتابه "الذكاء البصري Visual Intelligence،" الصادر عام 1998، جادل بأن الرؤية ليست مجرد تسجيل سلبي للواقع، بل قدم 35 قاعد تثبت أنها عملية نشطة يحول فيها الدماغ الصور ثنائية الأبعاد من الخطوط والألوان والأشكال والعمق والحركة التي نستقبلها عبر العين إلى عالم ثلاثي الأبعاد نستطيع إدراكه. ووفقًا لهذا المنظور التطوري، حظي البشر بهذه القدرات الإدراكية والتي ساعدت أسلافنا على البقاء والتكاثر، ما يعني أن طريقة رؤيتنا للأشياء تشكلت بناءً على ما كان أصلح للبقاء، وليس بالضرورة من أجل تقديم صورة دقيقة تمامًا للواقع.
الدماغ البشري قد لا يكون مصمماً ليُرينا صورة موضوعية ودقيقة تماماً للواقع. بل قد يُقدم نسخة مبسطة ومفيدة من المحيط تُساعدنا على البقاء، واتخاذ القرارات، وتحقيق الأهداف. بعبارة أخرى، قد يتشكل ما نراه ونسمعه ونشعر به وفقاً لاحتياجاتنا البيولوجية وتوقعاتنا وعملياتنا العقلية، لذا فإن إدراكنا لا يُشبه كاميرا تُسجل الواقع، بل يُشبه تفسيراً مفيداً لنا، حتى وإن لم يُطابق المحيط تماماً كما هو في حقيقته.
طريقة إدراك الناس للأشياء وتفسيرهم لها تتكون من خلال نشاط الدماغ وليس فقط ما تسجله حواسهم من المحيط الخارجي. لهذا المفهوم آثار تتجاوز علم النفس، إذ تُؤثر في مجالات، مثل الفلسفة، والأعمال التجارية، والتسويق، والإعلانات التجارية. فعلى سبيل المثال، بإمكان الشركات استخدام أفكارََا حول الإدراك للتأثير في كيفية تجربة المستهلكين للمنتجات وتقييمهم لها، حتى وإن لم تتغير المنتجات نفسها.
لقد ألقى هوفمان محاضرات عن الموضوع في مادة علم النفس للطلاب الجامعيين، وألقى محاضرة في TED 2015 (2) وظهر في مقابلات إعلامية وبرامج تلفزيونية، وشارك في فعاليات عامة تُناقش طبيعة الإدراك والواقع، وظهر في إحدى حلقات البرنامج التلفزيوني العلمي “Through theWormhole” مع مورغان فريمان" في حلقة بعنوان "هل يمكننا التعامل مع الحقيقة؟"(3، 4) كان عمله اليحثي محور موضوع أكاديمية نيويورك للعلوم التي تبثه مباشرة في فبراير وفي أغسطس (5)، واحتل مركز الصدارة مرة أخرى في برنامج Big Apple - هذه المرة كانت في متحف الـ Rubin للفنون - مع ديباك شوبرا (عالم العلاج البديل الأمريكي من أصول هندية) (6). في حفل توقيع أحدث كتاب لهوفمان.
لأن الإدراك يتأثر بعوامل مثل اللون والإضاءة والتباين والسياق البصري، فبالإمكان تطبيق هذه الأفكار عمليًا. فعلى سبيل المثال، عمل هوفمان مع شركات أزياء لتعديل تصاميم الملابس والأنماط البصرية لإبراز بعض ملامح الجسم المؤثرة. كما طبق هذه الأفكار في مجال الإعلان التجاري من خلال التحليل الرياضي لمدى تأثير العناصر البصرية، ومنها تحديد أفضل الألوان والإضاءة وتصميم محتوى الإعلانات المستهدفة، للتأثير في تصورات الناس ومدى ردود أفعالهم تجاه المنتجات.
وتجاوز اهتمام هوفمان الرؤية والتسويق، فقد تعمق أيضًا في مجال الوعي وجذوره التطورية – طبيعة التجربة الذاتية والإدراك نفسه. واستكشف كيف تطور الوعي، وسعى إلى إيجاد تفسير علمي لجوانب أساسية من الوجود الإنساني، مثل طريقة إدراكنا الحسي للأشياء، وتفكيرنا، وشعورنا، وتكويننا لإحساسنا بذواتنا. هدفه هو فهم هذه السمات الإنسانية العميقة من خلال المناهج العلمية، بدلًا من الاعتماد فقط على التفسيرات الفلسفية أو الروحية.
يتساءل عن كيفية تأثير تجربتنا الواعية على تصورنا للواقع. ويجادل النص بأن ما نختبره عبر حواسنا ليس بالضرورة هو الطبيعة الحقيقية للعالم؛ بل إن التطور قد صقل عقولنا لنلاحظ المعلومات التي تساعدنا على البقاء والتكاثر. ونتيجة لذلك، قد يكون إدراكنا للواقع أشبه بواجهة بينية (interface) مفيدة أو تمثيل مبسط يوجه أفعالنا، لا أن يكون صورة دقيقة لماهية الواقع.
اسئلة أجاب عليها هوفمان
س: كيف أثرت تجربتنا الواعية (7) وإدراكنا الحسي في فهمنا لما نعتبره أنه الواقع؟
ج: كل شيء يرجع إلى التطور. تطورت حواسنا وتأثرت بالانتقاء الطبيعي. قد نظن أن التطور يفضل الإدراك الحسي الواقعي، الذي يصف الواقع كما هو بدقة. لكنها لا تفضل ذلك. تطور الكائنات الحية عبرالانتقاء الطبيعي لم يُشكِّل حواسنا لكي نرى الواقع كما هو بدقة، بل لكي ندرك ما يفيد البقاء والتكاثر. وقال هوفمان إنه أجرى مع طلاب الدراسات العليا محاكاة حاسوبية لمنافسات تطورية بين كائنات تدرك الواقع بدقة وأخرى تدرك فقط ما يحقق لها منفعة للبقاء (ما يُسميه منظرو التطور: "عوائد اللياقة")، فوجدنا أن الكائنات التي رأت الحقيقة كما هي انقرضت عندما نافست كائنات ركزت فقط على ما يفيد البقاء، ما يشير إلى أن التطور يفضّل الإدراك الحسي النافع على الإدراك الكامل للواقع.
اعتبر الأمر وكأنه لعبة فيديو. لا تحتاج إلى فهم شفرة الحاسوب التي تعمل في الخلفية، بل يكفي التعرف على الرموز وأدوات التحكم التي تُساعد على الفوز. اسعَ لتحصيل النقاط بأسرع ما يمكن، وإذا حصلت على ما يكفي منها، تقدم إلى المستوى التالي. فإذا لم تفعل، فستخسر. التطور هو مثل ذلك. نحن نبحث عن "عوائد اللياقة" - الأمور المهمة للبقاء، مثل الغذاء وشريك الحياة. وبذلك تُصبح الكائنات الحية تدريحيََا أكثر قدرة على اكتشاف ما يُساعدها على البقاء، حتى لو كان ذلك يعني عدم تمكنها من الوصول إلى الواقع الكامن وراء تلك الأمور. لذلك، قد تُقدم حواسنا صورة مُبسطة وغير دقيقة للأشياء، لا صورة دقيقة. وإذا حصلنا على عوائد اللياقة، تتقدم ذرياتنا إلى المستوى التالي. عوائد اللياقة هي حقيقة الأمر. يعتقد معظم زملائي أنه إذا كنت تبحث عن عوائد اللياقة، فأنت تبحث عن الواقع. أنا وفريقي وجدنا أن ذلك ليس صحيحاً. ليس لدى عوائد اللياقة نفسها معلومات عن الواقع - فهي كما نعرف مهمة للبقاء والتكاثر فحسب. فلو سعيت وراء عوائد اللياقة، فستفقد ببطء معلومات عن البنية الواقعية للمحيط لصالح ما هو مهم لمساعدتك على توريث جيناتك. لا محالة، إذن، فلن تتمكن من رؤية البنية الواقعية للمحيط. الكائنات الحية التي ترى الواقع كما هو لن تكون صالحة أكثر من تلك الكائنات التي تنبهت إلى اعتبار عوائد اللياقة.
هناك أسلوب آخر للتفكير في هذا المفهوم وهو اعتبارالمحيط وكأنه واجهة مستخدم بينية user interface – أي قناع. المساحة ثلاثية الأبعاد تشبه فعلاً جهاز كمبيوتر مكتبي. الأشياء التي نراها موجودة فقط كأيقونات. أيقونة كتاب باللون الأزرق لا تعني أن الكتاب ومحتوياته باللون الأزرق بالفعل – بل هو رمز بسيط يمثل شيئًا أعظم من ذلك بكثير. فالأشياء والألوان التي نراها قد تعمل بمثابة أيقونات. فهي تساعدنا على فهم الواقع بكفاءة، لكنها ليست الواقع نفسه. عدم رؤية الواقع يساعدنا فعلاً - فلو اضطررنا إلى معرفة كل الواقع عن الكمبيوتر وكيف نشغل كل دارة إلكترونية فيه للقيام بكل ما هو مطلوب، فلن نستطيع استخدامه. التطور يخفي حرفياً الواقع عنا عن قصد. الإدراك الحسي يجعلنا نتحكم في الواقع بينما نجهله تمامًا بالفعل. من هذا المنظور، تعمل التجربة الواعية كواجهة مستخدم أنشأها التطور الطبيعي، تخفي الطبيعة الحقيقية لها، لكنها تزودنا بالمعلومات اللازمة للبقاء والتكاثر.
س: إذا كان ما نراه هو مجرد إدراكنا الشخصي للأشياء، فما الواقع الحقيقي أذّن؟
ج: الجواب السريع - والصحيح: لا أعرف. لمعرفة الواقع كما هو فعلََا، علينا أولاً أن نفهم الوعي فهمََا كاملََا. لأن الوعي هو الوسيلة التي ندرك بها الأشياء. لكن طبيعة الوعي وكيفية أنبثاقه ما زالت من أعقد المشكلات العلمية والفلسفية. وهذه ليست مهمة بسيطة.
اكتُشفت علاقات تلازمية كثيرة بين نشاط الدماغ والتجارب الواعية (7) (أي كل ما نشعر به أو ندركه حسيََا بشكل مباشر، مثل رؤية الألوان وسماع الأصوات والشعور بالألم أو الفرح)؛ فمثلًا، إحداث أي تغيير في نشاظ منطقة V4 في الدماغ، مثلََا، لو نشطت تلك المنطقة بمغناطيس، فمن شأن ذلك أن يودي إلى عدم الإدراك الحسي للألوان. لكن لو أوقفت تنشيط المغناطيس سيعود إدراك الألوان حسيََا. فلو فعلت الشيء نفسه في منطقة V5 قد يؤدي إلى عدم قدرة الدماغ على ملاحظة وفهم حركة الأشياء أو الأشخاص من حولنا تمامََا (8). ومع أن هذه الملاحظات مهمة جدًا، فإنها لا تفسر كيف ينتج الوعي نفسه من نشاط الدماغ. لذلك يرى هوفمان أنها مجرد بيانات، ولا توجد نظرية علمية تشرح هذه العلاقة، ولا أحد لديه فكرة عن كيف ينبثق الواعي من الدماغ. وهذا قد يعني أن الباحثين قد بنوا نتائج أبحاثهم على افتراض غير صحيح، وهو أن نشاط الدماغ وحده هو الذي ينتج الوعي، بينما قد تكون الحقيقة أكثر تعقيدًا مما نتصور.
س: إذن ما الجواب؟
ج: حاليا، ليس هناك جواب. المشكلة في فهم الوعي قد تكون ناتجة عن افتراض خاطئ، وهو أن الوعي ينبثق من الدماغ.
لكني أقترحت جوابََا واحداً يقلب الفكرة رأسََا على عقب، وهي فكرة بسيطة جدََا، ولكنها عميقة. إذا لم نتمكن من البدء بالخلايا العصبية وإذكاء الوعي، دعنا نبدأ بالوعي نفسه وإذكاء الخلايا العصبية، ومحاولة تفسير انبثاق الدماغ والعالم المادي منه. فقد عملت على بناء نموذج رياضي يصف الوعي باعتباره العنصر الأساس في الواقع ويجب أن يكون دقيقََا. ووفقًا لهذه الفكرة، فإن الواقع الحقيقي ليس مادة أو حيزََا أو زمانًا، بل شبكة هائلة من الكيانات الواعية التي تتفاعل مع بعضها باستمرار، بينما ما نراه من أشياء مادية ليس إلا تمثيلًا مبسطًا لهذه الشبكة المعقدة.
الفكرة هي أن الواقع عبارة عن شبكة اجتماعية هائلة من الكيانات الواعية التي تتفاعل مع بعضها البعض. فكل كيان واعٍ يمتلك تجاربه الإحساسية (إدراكاته الحسية) الخاصة ويستطيع التصرف بإرادته الحرة، ما يجعل هذه الشبكة واسعة ومعقدة جدََا. ولتوضيح ذلك، لك أن تتخيل عالم منصة إكس (تويتر سابقًا)، حيث يوجد ملايين المستخدمين ومليارات التغريدات، ومن المستحيل تقريبًا رؤية كل هذه التفاعلات وفهمها بالكامل. لذلك نستخدم في تحليل البيانات الضخمة واجهات رسوم بيانية (graphical) تُخفي معظم التفاصيل المعقدة وتقدم لنا ملخصات مبسطة. ونرى أن التطور فعل شيئًا مشابهًا لنا؛ فالزمان والمكان والأجسام المادية ليست الواقع الحقيقي نفسه، بل أدوات تصور أو صور ذهنية تساعدنا على التفاعل مع هذا الواقع الهائل والمعقد دون أن نراه مباشرة. وإذا نجحنا في تطوير نظرية متكاملة للوعي، فقد نقترب أكثر من فهم الحقيقة الكامنة وراء هذه الواجهة.
هذه الفكرة قد تكون مزعجة لأنها تهز معتقدات راسخة حول طبيعة الأشياء. التاريخ مليء بأمثلة اكتشف فيها البشر أن تصوراتهم السابقة كانت خاطئة، مثل الاعتقاد بأن الأرض مركز الكون. لذلك نرى أن من الممكن أيضًا أن تكون تصوراتنا الحالية عن المكان والزمان والأشياء المادية مجرد صورة مبسطة أوجدها التطور لمساعدتنا على البقاء، وليست وصفًا دقيقًا للواقع كما هو في حقيقته
س: قد تكون هذه الفكرة - أننا لا نرى إلّا ما أراد لنا التطور رؤيته للبقاء على قيد الحياة - مزعجة للبعض الذين يتساءلون الآن عن كل ما يرونه. ما النصيحة التي يمكن أن تسديها لهم؟
ج: أنا أتفهم تمامََا ما قد يشعرون به من انزعاج وعدم تقبل الفكرة بأريحية. الوصول إلى هذه النقطة بالنسبة لي لم يكن مجرد تجريد فكري - لقد كانت بالنسبة لي ملحمة أدويسة انفعالية، حيث مررت بنفس التجربة. لقد كانت مؤلمة للغاية. اضطررت فيها إلى التخلي عن معتقدات راسخة. لكن لو نظرت إلى الوراء في التاريخ، لوجدت أن بعض الناس قد اعتقدوا أن الأرض كانت مركز الكون. لقد أعدمنا بعض الناس حرقاً لمعارضتهم شيئاً اعتقدنا بعمق أنه الحقيقة. من الصعب جدًا التخلي عنه. إذا أخطأنا وخلطنا بين إدراكنا الحسي والحقيقية نفسها، فقد يكون فهمنا للزمكان والأشياء المادية مضللاً، لأنها ليست الواقع الحقيقي، بل مجرد “واجهة (interface)” أو طريقة مبسطة يعرض بها الواقع نفسه لنا
من المدهش أن تكون بعض معتقداتنا التي تمسكنا بها بقوة خاطئة من الأساس. إذ قد لا يكون الزمكان نفسه واقعََا حقيقيََا. إليك تشبيهًا لطيفًا: إذا نظرت إلى وجهك في المرآة، فإن ما تراه هي الأشياء الطاهرية: الشعر والعينين. لكنك تعلم عن كثب أن هناك أشياء حقيقية لا يمكنك رؤيتها - الآمال والطموحات والأحلام والمخاوف والألوان والصداع - كل ذلك حقيقي، وأنت تعرف بشكل مباشر أنه كذلك.
وبالمثل، لو رأينا شخصًا مبتسمََا، نستنتج أنه سعيد، لكن ما نراه فعلََا ليست السعادة نفسها، بل مجرد تعبير خارجي عنها. لذلك، ما ندركه ليس الحقيقة الكاملة، بل مجرد رموز أو أيقونات تكشف لنا نافذة صغيرة على واقع أعمق يتكون من تجارب واعية (للتعريف، انظر أعلاه (7)) غنية ومخفية وراء المظاهر التي نراها. أفترضُ أن ما وراء كل هذه الأيقونات هي شبكة لانهائية من كائنات واعية conscious) agents). وجه الشخص المبتسم هو مدخل يتيح لنا معرفة جانبََا من عالمه الداخلي الغني بالأفكار والشاعر والتجارب الواعية، ولا نستطيع رؤية هذه التفاعلات مباشرة.
قدرتنا على فهم التجارب الواعية للكائنات الأخرى محدودة وتختلف من كائن لآخر. لو نظرتُ إلى قطتي، سأرى مدخلَََا أصغر بكثير مقارنة بالإنسان. أستطيع أن أفهم بعض مشاعرها واحتياجاتها للأكل من خلال الأصوات التي تصدرها، لكني لا أفهم عالمها الداخلي إلّا بدرجة أقل مما أفهمه من عالم الإنسان. أما النملة ففهمي لتجربتها الواعية يكاد يكون معدومًا، وهكذا دواليك بالنسبة للجماد لا يستطيع إدراك أي تجربة داخلية له. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الوعي غير موجود – بل قد يكون الواقع في جوهره شبكة معقدة من التجارب الواعية. وما زلنا نعتقد أن إدراكنا يعمل بمثلبة واجهة بينية (interface) مبسطة تختزل هذا التعقيد الهائل إلى صورة يمكننا التعامل معها، لأن الطبيعة الحقيقية للواقع أعقد بكثير من أن نستوعبها استيعابَََا كاملََا.
مذهب الفيزيتئية (7)، أو الفلسفة المادية، التي ترى أن الزمكان والمادة هي أساس الواقع، قد تكون مخطئة لأنها تعتبر ما تدركه حواسنا حقيقة نهائية. فإذا لاحظنا أن الجمادات غير واعية، نفترض أن واقعها في جوهره غير واعٍ أيضًا. هذا كمن ينظر إلى شاشة حاسوب ويعتقد أن الحاسوب ليس سوى مجموعة من الأيقونات، بينما نعلم أن وراء الشاشة نظامًا أكثر عمقََا وتعقيدًا. لذلك نعتقد أن البشر أخطأوا عندما اعتبروا حدود إدراكهم الحسي وصفًا للحقيقة المطلقة، وهذا أحد الأسباب الذي جعلنا نفترض أن الحقيقة هي غير واعية في أساسها. وهذا ما جعل مشكلة تفسير الوعي صعبة جدًا (معضلة الوعي)؛ لأننا ربما نبحث عن الوعي داخل صورة مبسطة للواقع، لا البحث في الواقع الأعمق الذي قد يكون الوعي جانبََا أساسيًا منه.
س: لقد قدمت عدة محاضرات مع ديباك شوبرا (6) وآخرين من المهتمين بالروحانيات. كيف تتقاطع أبحاثك حول الإدراك الحسي والواقع مع الدين والروحانية؟
ج: ما فعلته من منظور علمي هو جلب صرامة الرياضيات إلى ما يفكر فيه المجتمع الروحي منذ مئات السنين. لكنني غير متقيد بالتقاليد - لمجرد أن هناك معتقدََا منذ آلاف السنين، لا يجعله حقيقة. هذا يختلف كثيرََا عن وجهة النظر الدينية المتعارفة. أعتقد أنه من المهم أن يكون هناك احترام وحوار متبادلين - يمكننا أن نصل إلى نقطة يمكن للجانب العلمي أن يتعلم فيها من التقاليد الروحية، وبالمثل، يمكن للجانب الروحي أن يتعلم عدم التشدد المفرط في التمسك بالأفكار. كيف يمكننا التعلم لو لم نرغب في التخلي عما قد يكون خطئًا؟ الاعتقاد الخاطيء يعيق التقدم الحقيقي. من نحن؟ لماذا نحن هنا؟ تصل هذه الأسئلة إلى قلب الطبيعة البشرية، ومحاولة الإجابة عليها ستشمل كلا من الطرق العلمية والتقاليد الروحية. كانت الطريقة العلمية مذهلة من حيث مساعدتها إيانا لنرى أين نحن مخطئون. وهذا هو المهم. هذا هو موقفي تجاه العلم. أن نكون دقيقين حتى نتمكن من أن نعرف أين نحن مخطئون على وجه التحديد. نحن بحاجة إلى معرفة ما الأفكار المفيدة وأيها خاطئة حتى نتمكن من التطورعلى جميع الجبهات. أعتقد أن العلم والروحانية يمكن أن يتفاعلا معاً. عندما نفعل ذلك، ربما سنكون قادرين على الإجابة على أسئلة مثل هل توجد حياة بعد الموت – باعتبارها أسئلة يمكن تناولها بالدراسة بصورة أكثر دقة ومنهجية.
الهوامش
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/معضلة_الوعي
2-https://www.ted.com/talks/donald_hoffman_do_we_see_reality_as_it_is?utm_campaign=tedspread&utm_medium=referral&utm_source=tedcomshare
3- https://en.m.wikipedia.org/wiki/Through_the_Wormhole
4- https://www.sciencechannel.com/tv-shows/through-the-wormhole/videos/can-we-handle-the-truth
5- https://www.nyas.org/events/2019/reality-is-not-as-it-seems/
8- https://ar.wikipedia.org/wiki/ديباك_شوبرا
7- من منظور علمي، نتعامل مع التجربة الواعية على أنها مجموعة من الأحداث المتزامنة. وبما أن وجود أكثر من حدث في لحظة ما يشكل ترتيبًا مكانيًا، فإن الوعي يمكن اعتباره نوعًا من المساحة أو البنية المكانية. وإذا كنا نتبنى مذهب الفيزيايية آو الفلسفة المادية (physicalism)، الذي يرى أن كل شيء في النهاية مادي، فإن هذه الأحداث الواعية التي توجد في هذه المساحة يجب أن يكون لها موقع أو تموضع ما داخل الكون المادي.” بعبارة أبسط: إذا كانت الأفكار والمشاعر والتجارب الواعية أشياء حقيقية، وكان كل شيء حقيقي يجب أن يكون جزءًا من العالم المادي، فأين تقع هذه التجارب الواعية بالضبط في الكون؟ ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:
http://newempiricism.blogspot.com/2009/03/where-is-conscious-experience.html?m=1
8- https://ar.m.wikipedia.org/wiki/توقع_الحركة
المصدر الرئيس:
https://www.socsci.uci.edu/newsevents/news/2019/2019-07-22-hoffman-reality.php


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق