داريل كاميرون أستاذ علم النفس وباحث مشارك في معهد روك للأخلاقيات، جامعة ولاية بنسلفانيا
٢ مارس ٢٠١٧
كتبه البروفسور داريل كاميرون، استاذ السايكلوجيا والباحث المشارك في معهد روك ايثيكس ، جامعة بنسلفانيا
ترجمه ابو طه / عدنان احمد الحاجي
Does empathy have limits?
Is it possible to run out of empathy?
Daryl Cameron Professor of Psychology and Research Associate in the Rock Ethics Institute, Pennsylvania State University
March 2, 2017
المقالة رقم ١١٤ لسنة ٢٠١٧
هذا هو السؤال الذي يسأله العديد في أعقاب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. تظاهر الآلاف في الشوارع والمطارات لتشجيع الآخرين على ان يشمل تعاطفهم مع المرأة والأقليات واللاجئين. وذهب آخرون إلى أن الليبراليين يفتقرون الى التعاطف مع محنة الأميركيين في المناطق الريفية.
على هذه الخلفية، فقد حض بعض العلماء مؤخرا ضد التعاطف، قائلين أنه مبالغ فيه وغير مهم، وما هو أسوأ، انه خطر. وقاموا بوضع هذه التوصية لأن التعاطف يبدو محدودا ومتحيزاً بطرق إشكالية وأخلاقية.
وبما اننا علماء نفس ندرس التعاطف، لا نوافق على هذا الرأي.
بسبب التقدم في علم التعاطف، فإننا نقترح أن القيود المفروضة على التعاطف هي ظاهرة أكثر من أن تكون حقيقة. في حين يبدو التعاطف انه محدود، فهذه الحدود تعكس أهدافنا وقيمنا وخياراتنا. و لا تعكس حدود التعاطف نفسه.
'الجانب المظلم' للتعاطف
على مدى السنوات القليلة الماضية، عدد من العلماء، بما في ذلك علماء النفس والفلاسفة،جادلوا في ان التعاطف إشكالي من الناحية الأخلاقية.
على سبيل المثال، في الكتاب المثير للتفكير الذي نشر مؤخرا ، "ضد التعاطف،" عالم النفس بول بلوم سلط الضوء على لماذا غالباً ما يوصف التعاطف بنتائجه الإيجابية، وقد يكون له تحيزات وحدود تجعله مرشداً غير جيد للحياة اليومية.
يدعي بلوم أن التعاطف مورد محدود القدرات، كفطيرة ثابتة أو وقود أحفوري ينفد بسرعة. ويقترح أن،
وجهات النظر هذه تردد من قبل علماء آخرين كذلك. على سبيل المثال، عالم النفس بول سلوڤيك Slovic يشير الى "اننا مجبولون نفسيا على مساعدة شخص واحد فقط في المرة الواحدة."
وبالمثل، فقد قال الفيلسوف جيسي برينز أن التعاطف منحاز ويؤدي إلى "قصر نظر أخلاقي"، مما يجعلنا نعمل أكثر بإيجابية تجاه الناس الذين نتعاطف معهم، حتى ولو كان هذا غير عادل.
لنفس السبب، يشير عالم النفس آدم وايتز Waytz أن التعاطف يمكن أن "يؤدي إلى تآكل الأخلاق." سلوڤيك، في الواقع، يشير إلى أن "قدرتنا على الشعور بالتعاطف مع الناس الذين هم في موضع الحاجة تبدو محدودة، وهذا النوع من عبء الشفقة يمكن أن يؤدي إلى الفتور والتراخي. "
هل هناك حدود؟
التعاطف الذي يجادل العلماء أعلاه ضده هو وجداني: و معروف علميا باسم "تبادل الخبرات"، الذي يعرف بأنه الشعور بنفس المشاعر التي يشعر بها الآخرون .
ويعتقد أن هذا التعاطف الوجداني محدود لسببين رئيسيين: أولا، التعاطف يبدو أنه أقل حساسية للأعداد الكبيرة من الضحايا، كما هو الحال في جرائم الإبادة الجماعية والكوارث الطبيعية. ثانيا، التعاطف يبدو أنه أقل حساسية لمعاناة الناس من جماعات عرقية أو عقائدية مختلفة عن عاداتنا وتقاليدنا
وبعبارة أخرى، من وجهة نظرهم، يبدو ان التعاطف يسلط الضوء على ضحية واحدة يرى أو يفكر مثلنا.
التعاطف خيار
اتفقنا على أن التعاطف غالبا ما يكون أضعف في مواجهة المعاناة الجماعية وإلى الناس الذين هم مختلفون عنا. ولكن علوم التعاطف تقترح في الواقع سبباً مختلفاً لماذا يظهر هذه العجز.
كما تظهر مجموعة متزايدة من الأدلة، انها ليست أننا غير قادرين على الشعور بالتعاطف مع المعاناة الجماعية أو أشخاص من مجموعات أخرى، بل أنه في بعض الأحيان "نختار"ان لا نكون كذلك. وبعبارة أخرى، تختار مدى تعاطفك.
هناك بينة على أننا نختار اين نضع حدود للتعاطف. على سبيل المثال، في حين أن الناس عادة ما يشعرون أقل تعاطفا مع ضحايا متعددين (مقابل ضحية واحدة)، هذا الاتجاه يمكن عكسه عند إقناع الناس بأن التعاطف لن يتطلب تبرعات مكلفة من المال أو الوقت. وبالمثل، تظهر الناس أقل تعاطفا مع المعاناة الجماعية عندما يظنون ان مساعدتهم لن تحدث أي فرق أو تأثير، ولكن هذا النمط يغيب عندما يعتقدون أنهم بإمكانهم أن يحدثوا فرقا.
يختلف هذا الاتجاه أيضا بحسب المعتقدات الأخلاقية للفرد. على سبيل المثال، الأشخاص الذين يعيشون في "الثقافات الجماعية،" مثل أفراد البدو، لا يشعرون بالتعاطف الاقل مع المعاناة الجماعية. ولعل هذا هو لأن الناس في مثل هذه الثقافات يقدرون المعاناة الجماعية.
هذا ويمكن أيضا أن يتغير بشكل مؤقت، مما يجعله يبدو أكثر كخيار. على سبيل المثال، الناس الذين أُهلوا للتفكير في القيم الفردية يظهرون سلوكيات أقل تعاطفا مع المعاناة الجماعية، ولكن الناس الذين أُهلوا للتفكير في القيم الجماعية لا يظهرون ذلك.
نناقش أنه إذا كان فعلا هناك حد للتعاطف مع المعاناة الجماعية، فإنه لا ينبغي أن يختلف بناء على التكاليف والكفاءة أو القيم. و بدلا من ذلك، يبدو أن التأثير يتغير بناءً على ما يريد الناس أن يشعروا به. نرى أن نفس النقطة تنطبق على الميل إلى الشعور بقدر أقل من التعاطف مع الناس المختلفين عنا: وسواء وسعنا التعاطف ليشمل الناس الذين هم مختلفون عنا يعتمد على ما نريد أن نشعر به.
وبعبارة أخرى، فإن نطاق التعاطف مرن. حتى الناس الذين يُعتقد أنهم يفتقرون إلى التعاطف، كالمرضى النفسيين، يبدو انهم قادرون على التعاطف إذا كانوا يريدون أن يفعلوا ذلك
لماذا نرى حدود التعاطف انها تمثل إشكالية
نقاد التعاطف عادة لا يتحدثون عن الخيار بطريقة متسقة منطقيا. أحيانا يقولون الأفراد يختارون ويوجهون التعاطف مباشرة بقصد، ولكن في أوقات اخرى قل : ليس عندنا سيطرة على حدود التعاطف.
هذه هي مطالبات مختلفة بآثار أخلاقية مختلفة.
والمشكلة هي أن الحجج ضد التعاطف نعاملها على أنها عاطفة منحازة. في القيام بذلك، هذه الحجج تنسى عواقب اختياراتنا لتجنب التعاطف كشيء خطأ في حد ذاته مع التعاطف نفسه.
نقترح أن التعاطف يظهر فقط على انه محدود. وليس مبنياً على ما يبدو عدم الاكتراث بالمعاناة الجماعية والنَّاس المختلفين الآخرين ليسوا من ضمن بنية التعاطف، ولكنهم يعكسون الخيارات التي نتخذها. هذه الحدود هي نتيجة المفاضلة العامة التي يتخذها الناس عندما يقومون بموازنة بعض الأهداف مقابل الآخرى
نقترح توخي الحذر في استخدام مصطلحات مثل "الحدود" و "القدرة" عندما نتحدث عن التعاطف. هذا الخطاب يمكن أن يخلق نبوءة محققة لذاتها: عندما يعتقد الناس أن التعاطف هو مورد ناضب، ويبذلون جهداً أقل تعاطفا وينخرطون في المزيد من التجرد من الإنسانية.
لذلك، تأطير التعاطف كفطيرة ثابتة خاطيء- علميا وعمليا.
ما هي البدائل؟
حتى لو قبلنا أن التعاطف له حدود ثابته - والتي لا نتفق عليها، نظرا للأدلة العلمية - ما هي العمليات النفسية الاخرى التي يمكننا أن نعتمد عليها حتى نكون صناع قرار فعالين؟
ويرى بعض العلماء أن الرحمة ليست مكلفة أو متحيزة كالتعاطف، وهكذا ينبغي ان تعتبر أكثر جدارة بالثقة. ومع ذلك، يمكن أن لا تكون الرحمة أيضا حساسة للمعاناة الجماعية والناس من المجموعات الأخرى، تماما كالتعاطف.
سبب آخر هو المنطق الذي ينبغي أن يكون خالياً من التحيزات العاطفية. ربما، المداولات الباردة على التكاليف والفوائد، التي تتوافق مع اثار المدى الطويل، قد تكون فعالة. ولكن هذا الرأي يتغاضى عن كيف تكون العواطف معقولة والمنطق يمكن أن يكون مدفوعاً ليدعم الاستنتاجات المرجوة.
نحن نرى هذا في السياسة، والناس تستخدم المبادئ النفعية بشكل مختلف اعتمادا على معتقداتهم السياسية ، مما يعني ان المباديء يمكن أن تكون متحيزة جدا. على سبيل المثال، وجدت دراسة أن المشاركين المحافظين كانوا أكثر استعدادا لقبول تبادل الناتج بأرواح المدنيين التي فقدت أثناء الحرب عندما كانوا عراقيين بدلا من ان يكونوا أمريكين. المنطق قد لا يكون موضوعياً وغير متحيز كما يدعي نقاد التعاطف.
اي معيار أخلاقي نستخدم؟
حتى لو كان المنطق موضوعياً ولم تفضل أحداً على احد، هل هذا ما نريده من الأخلاق؟ تشير الأبحاث إلى أن للعديد من الثقافات، يمكن أن يكون أمراً غير أخلاقي لو لم تركز على عدد قليل من الذين يساركونك في المعتقد أو الدم.
على سبيل المثال،وجدت بعض الأبحاث أنه في حين أن الليبراليين يقدمون التعاطف والحقوق الاخلاقية الى الغرباء، فان المحافظين هم أكثر احتمالاً لحجز التعاطف لعائلاتهم وأصدقائهم . بعض الناس يعتقدون أن الأخلاق لا ينبغي أن ترجح أحداً على احد. لكن آخرين يعتقدون أن الأخلاق يجب أن تكون بشكل قوي للعائلة والأصدقاء
لذلك حتى لو لم يكن التعاطف له حدود ثابتة ، فإنه لا يعني أن هذا يجعله إشكالاً من الناحية الأخلاقية. العديد من يرى الحياد مُثلاً عليا، ولكن الكثير لا. يرون ذلك، ولذلك يتبنى التعاطف مجموعة محددة من الأهداف لو أعطي خياراً معيارياً .
من خلال التركيز على عيوب ظاهرة في التعاطف وليس الحفر عنيقاً في كيفية ظهورها، فإن الحجج ضد التعاطف تنتهي بالتنديد بالشيء الخطأ. المنطق البشري معيب في بعض الأحيان، وأنه في بعض الأحيان يحرفنا عن الطريق. هذا هو الحال خاصة عندما يمكن ان نتحمّل تبعات مالية.
هذا التحليل يجعل كونك ضد التعاطف يبدو سطحيا. الحجج ضد التعاطف تعتمد على الازدواجية التي عفا عليها الزمن بين العاطفة المتحيزة والمنطق الموضوعي. ولكن التعاطف من الناحية العلمية يشير إلى أن ما يهم أكثر هو قيمنا وخياراتنا . يمكن ان يكون التعاطف محدوداً في بعض الأحيان، ولكن فقط لو اردته أن يكون كذلك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق