الكثير من البحوث اللاحقة عن التفكير في مرحلة الطفولة المبكرة تأثرت بشكل كبير بأفكار بياجيه. ويسعى العلماء إلى تنقيح نظريته تجريبياً لتأكيد وجهات نظره. ولكن أصبح من الواضح على نحو متزايد أن بياجيه كان يفتقد الى شيئ. يبدو أنه يقلل بشكل خطير من القوى الفكرية للأطفال الصغار جدا - قبل أن يتمكنوا من أن يجعلوا أنفسهم مفهومين من خلال الحديث أو حتى من خلال فعل مقصود. الباحثون بدأوا بوضع سبلاً أكثر براعة من اي وقت مضى لمعرفة ما يجري في أذهان الأطفال، و الصورة الناتجة لقدراتهم أصبحت أكثر وأكثر دقة في درجات الاختلاف
ونتيجة لذلك، فإن الرأي القديم لطبيعة الطفل الأنانية والضعف الفكري قد تراجعت على نحو متزايد وأصبح محلها موقف أكثر سخاءاً يرى إحساساً متبرعماً ليس فقط للعالم المادي ولكن أيضا للعقول الأخرى، حتى في "أصغر الصغار."
العصور المظلمة للتنمية الفكرية؟
تاريخيا، لم يحظ الأطفال باحترام كبير لقوتهم العقلية. بياجيه لم يكن يعتقد فقط أن الأطفال "أنانيون " بمعنى أنهم غير قادرين على التفريق بين رأيهم ورأي الآخرين؛ وقال انه مقتنع أيضا أن تفكيرهم يُميز بأخطاء منهجية وارتباكات.
على سبيل المثال، يبدو أن الأطفال الذين قابلهم لم يتمكنوا من فصل الأسباب عن آثارها ("هل تحرك الرياح الأغصان أم أن الأغصان المتحركة تسبب الرياح؟") ولا يمكن أن يميزوا الواقع من المظاهر السطحية (العصا مغمورة الى نصفها في ماء تبدو منحنية ، ولكن ليست كذلك في الواقع). كما أنهم يقعون فريسة للتفكير السحري والأسطوري: قد يعتقد الطفل أن الشمس كانت كرة قذف بها شخص ما الى السماء، حيث كبرت أكبر وأكبر. وفي الواقع، يعتقد بياجيه أن نمو الأطفال العقلي يتقدم بنفس الطريقة التي يعتقده المؤرخون أن الفكر الإنساني تقدم على مدى التاريخ: من التفكير الأسطوري إلى المنطقي.
اعتقد بياجيه جازماً أن الأطفال قد رُكز تماما على تصرفاتهم وتصوراتهم الخاصة. عند اللعب مع الآخرين، فإنهم لا يتعاونون لأنهم لا يدركون أن هناك أدواراً ووجهات نظر مختلفة. فقد كان مقتنعاً بأن الأطفال لا يستطيعون حرفيا "أن ينظموا انفسهم": وبدلا من أن يلعبوا معا بشكل تعاوني وحقيقي، فإنهم يلعبون جنبا إلى جنب، مع القليل من الاعتبار للآخر. وعند التحدث مع الآخرين، فان الطفل الصغير من المفترض ان لا يستطيع ان يأخذ في الاعتبار وجهة نظر المستمع ولكنه "يتحدث مع نفسه دون الاستماع إلى الآخرين".
زعم بياجيه وأتباعه على أن الأطفال يمرون بشيء مثل عصر الظلام من التطور الفكري قبل أن يصبحوا ببطء وتدريجيا مستنيرين من حيث التمييز والرشد عندما يبلغون سن المدرسة. ومع هذا التنوير يتطور فهمهم المتزايد باستمرار للأشخاص الآخرين، بما في ذلك مواقفهم وآرائهم عما حولهم.
تغيير الذهنية حول العقول
واليوم، تخرج صورة مختلفة جدا عن النمو العقلي للأطفال. يكشف علماء النفس باستمرار رؤى جديدة في عمق معرفة الأطفال الصغار لما حولهم ، بما في ذلك فهمهم للعقول الأخرى. وتشير الدراسات الحديثة إلى أنه حتى الأطفال الرضع حساسون تجاه منظورات الآخرين ومعتقداتهم.
جزء من الدافع لمراجعة بعض استنتاجات بياجيه نابع من تحول أيديولوجي حول أصل المعرفة البشرية التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين. فأصبح من غير المرغوب على نحو متزايد افتراض أن الفهم الأساسي للعالم يمكن أن يبنى بالكامل من الممارسة .
وقد أثار ذلك المنظر جزئيا العالم النظري نعوم تشومسكي، الذي قال إن هناك شيئا معقدا كتعقيد قواعد اللغة التي لا يمكن فهمها من سماع خطبة، ولكن يتم توفيرها من قبل "قريحة لغة" فطرية. "آخرون احتذوا حذوه وحددوا مزيداً من" المجالات الأساسية "التي لا يمكن فيها ان يتم تركيب المعرفة معا من الممارسة ظاهرياً ولكن يجب أن تكون فطرية. أحد هذه المجالات هو معرفتنا بعقول الآخرين. بل إن البعض يحاجج بأن المعرفة الأساسية بعقول الآخرين لا يمتلكها اطفال البشر فحسب، بل يجب أن تكون قديمة التطور، ومن ثم يتقاسمها أقرب أقربائنا الأحياء، القرود العليا.
أدوات تحقيق جديدة بارعة
لإثبات أن الرضع يعرفون أكثر في هذا المجال مما كان معترفا به، كان الباحثون بحاجة إلى التوصل إلى طرق مبتكرة لإظهار ذلك. جزء كبير من لماذا ندرك الآن الكثير من القدرات الفكرية للأطفال هو تطوير أدوات بحث أكثر حساسية بكثير مما كان تحت تصرف بياجيه .
فبدلا من إشراك الأطفال الصغار في الحوار أو السماح لهم بتنفيذ المهام الحركية المعقدة، الأساليب الحديثة تستفيد من السلوكيات التي لها مكانة ثابتة في مخزون السلوك الطبيعي للرضع: النظر والاستماع والمص وتعبيرات الوجه، والإيماءات والافعال اليدوية البسيطة. فكرة التركيز على هذه "السلوكيات الصغيرة" هي أنها تعطي الأطفال الفرصة لإثبات معرفتهم ضمنيا وعفويا - دون الحاجة إلى الاجابة على أسئلة أو الى تعليمات. على سبيل المثال، قد يبدو ان الأطفال ينظرون مدة أطول الى حدث لم يتوقعوا حدوثه، أو قد يظهرون تعبيرات وجه تشير إلى تعاطفهم مع الآخرين..
عندما يقيس الباحثون هذه السلوكيات الأقل الحاحاً، وغالباً ما تكون غير طوعية ، يمكنهم الكشف عن الحساسية لحالات الآخرين النفسية في سن أصغر بكثير من استخدام طرق استخدمها بياجيه وتلاميذه .
ما كشفته الدراسات الحديثة
في الثمانينات، أصبحت هذه الأنواع من التدابير الضمنية معمولاً بها في علم النفس التنموي. ولكن استغرق الأمر وقتا أطول قبل أن تستخدم هذه الأدوات لقياس فهم الأطفال للحياة العقلية للآخرين. وقد كشفت الدراسات الحديثة أنه حتى الرضع والأطفال الصغار حساسون لما يدور في عقول الآخرين.
في سلسلة من التجارب، كان لدى مجموعة من العلماء الهنغاريين أطفال يبلغون من العمر ستة أشهر يشاهدون رسوما متحركة بالتسلسل التالي من الأحداث: لاحظ سمورف كيف تدحرجت الكرة خلف الشاشة. ثم غادر سمفور. في غياب سمفور رأى الاطفال الرضع كيف ظهرت الكرة من وراء الشاشة وتدحرجت بعيدا. وعاد سمفور ومن ثم أُنزلت الشاشة، مظهرين على أن الكرة لم تعد هناك. سجل مؤلفو الدراسة نظرات الرضع ووجدوا أنها ثابتة أطول من المعتاد على المشهد الأخير الذي قام سمفور بالتحديق في الفضاء الفارغ وراء الحاجز - كما لو أنهم قد فهموا أن توقع سمفور قد نُقض.
في مجموعة أخرى من التجارب، وجدت انا و زملائي من جامعة جنوب كاليفورنيا دليلا على أن الأطفال الصغار يمكن أن يتوقعوا حتى كيف يشعر الآخرون عندما تُمنى توقعاتهم بخيبة أمل. قمنا بعمل العديد من عروض الدمى أمام الأطفال الذين يبلغون من العمر عامين. هذه العروض اظهرت بطل الرواية (كوكي الوحش) حين ترك ممتلكاته الثمينة (الكوكيز) على خشبة المسرح وعاد في وقت لاحق لأخذها. ما كان لا يعرفه بطل الرواية هو أن خصمه قد جاء وعبث بممتلكاته. وقد شهد الأطفال هذه الأفعال وباهتمام شاهدوا عودة بطل الرواية.
سجلنا تعبيرات وجه وجسم الأطفال. عض الأطفال شفاههم، وجعدوا أنوفهم أو اهتزوا في كراسيهم عندما عاد بطل الرواية، كما لو كانوا يتوقعون الحيرة وخيبة الأمل التي كانت على وشك ان تظهر عليه. والأهم من ذلك لم يبدي الأطفال ردود فعل من هذا القبيل، وظلوا هادئين عندما رأى بطل الرواية الأحداث بنفسه، وبالتالي عرفوا ما يتوقعونه. تكشف دراستنا أن في سن سنتين في مرحلة الطفولة ، الأطفال ليسوا فقط يتتبعون ما يعتقده الآخرون أو يتوقعونه؛ بل يمكن أن يتنبأوا بكيف سيشعر الآخرون عندما يكتشفون الواقع.
دراسات مثل هذه تكشف عن أن هناك الكثير من الاشياء تدور في ادمغة الأطفال الصغار وحتى الرضع مما كان يعتقد سابقا. بالأساليب الصريحة المستخدمة من قبل بياجيه وما جاء بعده من الباحثين، هذه الطبقات العميقة لفهم الأطفال لا يمكن الوصول إليها . أدوات البحث الجديدة تثبت أن الأطفال يعرفون أكثر مما يستطيعون قوله: عندما نحفر تحت السطح، نجد فهم الناشئة للعلاقات ووجهات النظر التي ربما بياجيه لم يحلم بها.
الطرق القديمة لها قيمة أيضا
على الرغم من هذه التطورات الواضحة في دراسة تفكير الأطفال الصغار، سيكون من الخطأ الفادح رفض التحليلات الدقيقة والمنهجية التي جمعها بياجيه وآخرون قبل أن تهيمن الاختبارات الجديدة على المشهد. القيام بذلك سيكون مثل التخلص من الطفل في مياه الحمام، لأن الأساليب الأصلية كشفت حقائق أساسية عن كيفية تفكير الأطفال - الحقائق التي لا يمكن "للحد الأدنى من الأساليب الجديدة " ان تكشف عنها.
ليس هناك إجماع في مجتمع اليوم حول ما يمكننا أن نستنتجه من النظرة، او التكشيرة أو إيماءة اليد. هذه السلوكيات تشير بوضوح إلى فضول حول ما يدور في ذهن الآخرين، وربما مجموعة من الحدس المبكر إلى جانب الرغبة في معرفة المزيد. فهي تمهد الطريق إلى أشكال أكثر ثراء وأكثر وضوحا لفهم عقول الآخرين. ولكنها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحل محل قدرة الطفل المتزايدة على توضيح وصقل فهمه لكيف ولماذا تتصرف الناس .
بياجيه ربما قد قلل من شأن القوى الادراكية للرضع، وربما لعدم وجود أدوات حديثة. ولكن رؤيته حول كيف يفهم الطفل تدريجيا ما حوله ويفهم أنه شخص بين مجتمع من الأشخاص الآخرين لا تزال ملهمة كما كانت قبل ٥٠ عاما. التحدي اليوم بالنسبة لنا كعلماء تنمويين هو دمج الجديد بالقديم، وفهم كيف تتطور حساسية الرضع تجاه العقول الأخرى تطوراً تدريجيا إلى فهم كامل للأشخاص الآخرين على أنهم متميزين عنهم ولكنهم مماثلين لهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق